رصد الاختلالات وتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة
تحديث أساليب التسيير العمومي ومواكبة متطلبات العصر الرقمي
جاء في اجتماع مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية، التأكيد على التقدّم المحقّق في رقمنة البيانات والمعطيات عبر مختلف القطاعات، بما يتيح رصد الاختلالات بدقة أكبر، ويعكس حرص الدولة على تحديث أساليب التسيير العمومي، وتحسين فعالية العمل الإداري، ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، بما يجعل الرّقمنة أداة محورية لدعم القرار العمومي وتقريب الإدارة من المواطن.
اعتبر أستاذ الاقتصاد الدولي نصر الدين ساري، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ التقرير المرحلي حول مدى تقدّم الرّقمنة، الذي ناقشه مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية، يشكّل محطة تقييم مهمة لمسار التحول الرّقمي، الذي تبنّته الدولة خلال السنوات الأخيرة. ويبرز، من خلال ما ورد في بيان مجلس الوزراء، أنّ الجزائر حقّقت تقدّما معتبرا في رقمنة المعطيات والمعلومات عبر مختلف القطاعات، وهو ما يعكس جهدا متواصلا لتحديث أساليب التسيير العمومي ومواكبة متطلّبات العصر، لاسيما في ظل تعقّد وتشابك المعطيات الاقتصادية والاجتماعية على المستويات المحلي والإقليمي والعالمي.
وأوضح الأستاذ أنّ الأهمية الأساسية لهذا التقدّم تكمن في الانتقال نحو ربط المعطيات والبيانات واستغلالها بشكل منسّق، بما يسمح بتحسين قراءة الواقع وتحديد الاختلالات بدقة أكبر. وأضاف أنّ توجيه رئيس الجمهورية بضرورة التحيين والتحديث اليومي للبيانات، من خلال فرق تقنية متخصّصة يعكس حرصا واضحا على ضمان مصداقية المعلومة واستعمالها بفعالية في دعم القرار العمومي، بما يعزّز الانسجام بين مختلف القطاعات ويرفع مستوى التنسيق بينها.
وأضاف أنّ هذا التوجّه من شأنه تبسيط آليات العمل داخل الإدارات، وتسريع معالجة الملفات، والحد من القرارات المبنية على معطيات غير دقيقة أو متقادمة. كما يساهم توحيد وتحيين البيانات بشكل منتظم في استباق الإشكالات ومعالجتها في وقتها، بما يدعم فعالية السياسات العمومية ويعزّز الثقة في الأداء المؤسّساتي بصفة عامة.
أمّا من الناحية الاقتصادية، فيؤكّد الخبير أنّ هذا المسار يمكن أن يساهم في ترشيد النفقات العمومية وتحسين فعالية السياسات العمومية، خاصة في مجالات حساسة كالدعم والتحويلات الاجتماعية، والاستثمار، والعقار، والقطاع الفلاحي. فتوفّر قاعدة بيانات وطنية محدثة يسمح للإدارة بتقدير أدقّ للاحتياجات، وتوجيه الموارد بشكل أفضل، والحدّ من القرارات التقديرية غير المبنية على معطيات واقعية، وهو ما ينعكس إيجابا على التوازنات المالية للدولة وجودة الخدمة العمومية.
وأضاف الخبير أنّ العمل وفق هذا الأسلوب يساعد الدولة على متابعة البرامج العمومية بشكل أدقّ، ومعرفة مدى تحقيقها لأهدافها، كما يتيح رصد النقائص مبكّرا وإيجاد الحلول المناسبة لها في الوقت المناسب، بدل انتظار تفاقمها، وهو ما يُسهم في تحسين التسيير، وترشيد المال العام، وتقديم خدمة عمومية أكثر فعالية للمواطن.
وفي هذا الإطار، يوضّح المتحدث أنّ هذا التوجّه يجعل عمل الإدارة أكثر وضوحا وفعالية، لاعتماده على معطيات حقيقية ومحينة بدل التقديرات العامة، كما يسمح بتقريب السياسات العمومية من انشغالات المواطن اليومية وتحسين نوعية الخدمات المقدمة، بما يساهم في تعزيز الثقة بين المواطن والإدارة وتحقيق استعمال أفضل للمال العام.
أمّا على المستوى الاجتماعي، فإنّ الرّقمنة تظل أداة مهمة لتحسين علاقة المواطن بالإدارة، من خلال تبسيط الإجراءات وتقليص آجال المعالجة وتعزيز الشفافية، ونجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بمرافقة العنصر البشري سواء من خلال التكوين أو تبسيط الاستعمال إلى جانب ضمان حماية المعطيات، كما أنّ تعميم الرّقمنة من شأنه أن يخفّف العبء اليومي عن المواطن، خاصة في ما يتعلّق بالتنقل المتكرّر إلى الإدارات والانتظار الطويل، حيث تتيح الخدمات الرّقمية الولوج السهل والسريع إلى مختلف الخدمات عن بعد، ويساهم هذا التحول أيضا في ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسّسات العمومية.
وعليه، فإنّ ما ورد في التقرير المرحلي يعكس توجّها واضحا نحو إدارة عصرية أكثر نجاعة وفعالية، والاستمرار في هذا المسار بروح مؤسّساتية وتنسيق محكم يضمن تحقيق الأهداف المرجوة التي تسعى الدولة لتجسيدها على أرض الواقع، خاصة من خلال تحسين جودة الخدمات العمومية، وتعزيز الشفافية، ودعم اتخاذ القرار المبني على معطيات دقيقة ومحينة.


