تلبيـة حاجيات السـوق المحليـة والتقليص مـن فاتورة الاستـيراد
وجّه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال ترؤّسه لاجتماع مجلس الوزراء، أول أمس، تعليمات صارمة لمواصلة إعادة تنظيم قطاع الفلاحة وجعله في صلب أولويات الدولة، مؤكّدا على تسخير جميع الإمكانات المادية والبشرية لتجسيد ذلك، بما يترتب عنه وضع استراتيجية وطنية قائمة على أسس حديثة، مدعومة بقانون توجيهي جديد.
سطّر اجتماع مجلس الوزراء، في شقّه المتعلق بقطاع الفلاحة، خارطة طريق جامعة وشاملة من أجل موسم فلاحي ناجح، ومن جهة أخرى إقامة ركائز فلاحة منتجة وعصرية، كفيلة بتلبية حاجيات السوق المحلية من المنتجات الفلاحية والتقليص من فاتورة الاستيراد. وقد انصبّت تعليمات رئيس الجمهورية حول ضرورة تعزيز الأمن الغذائي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، مع العمل وفق قاعدة تقليص الاستيراد دون خلق أي ندرة في السوق، من خلال تشجيع إنشاء تعاونيات فلاحية متخصّصة والاستفادة من التحفيزات الجديدة التي تواصل الدولة تقديمها.وفي هذا السياق، أوضح الخبير المختص في الفلاحة والري، ورئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، كريم حسن، في اتصال مع «الشّعب»، أنّ تعليمات رئيس الجمهورية عبر مختلف مجالس الوزراء تمحورت حول النهوض بالقطاع الفلاحي وتحقيق الأمن الغذائي كأولوية استراتيجية، سيتم بلوغها عبر جملة من الإجراءات، من بينها رفع المساحة المزروعة إلى 3 ملايين هكتار. وأبرز أنّ هذا الطموح يتطلّب حسابات إحصائية دقيقة بالاعتماد على بيانات السنوات السابقة، مشيرا إلى أنّ موسم 2024-2025 سجّل مساحة تقارب 2.4 مليون هكتار للحبوب، ما يعني أنّ الزيادة بنسبة 25% تبقى قابلة للتحقيق، لاسيما مع اعتماد التوزيع الآلي للبذور باستعمال بذّارات دقيقة تقلّل الفاقد بنحو 15%.
وشدّد المتحدث على الطابع الاستعجالي لاستيراد العتاد، خاصة الموجّه لحصاد الحبوب والذرة وعباد الشمس، مع ضرورة اختيار آلات متعدّدة الوظائف مزودة بتقنيات الكشف عن النضج، بما يسمح برفع كفاءة الحصاد من 70% إلى 95%، وتقليص الفاقد بشكل معتبر. كما أبرز أهمية تعميم الري الدقيق عبر أنظمة التنقيط المدعمة باستشعارات الرطوبة، لا سيما في مناطق الجنوب، حيث يبلغ حجم التبخّر نحو 2000 ملم سنويا، ما يضمن إنتاجية تصل إلى 4 أطنان للهكتار في الحبوب، مقارنة بـ2.5 طن حاليا. وأكّد أنّ حملة الحرث ينبغي أن تكون مدعومة بتحليلات تربة آلية عبر مختبرات متنقلة، إلى جانب تكوين الفلاحين على تطبيقات محمولة لمتابعة التقدّم اليومي لحملات البذر.
إشراك النخبة من المختصّين
فيما يخصّ عصرنة القطاع، أكّد كريم حسن ضرورة تبني التكنولوجيات الحديثة بشكل متكامل، مثل الزراعة الرأسية في المناطق الحضرية باستخدام الإضاءة الطيفية، التي ترفع إنتاج الخضروات إلى عشرة أضعاف في مساحات محدودة، فضلا عن أنظمة الرّي الذكي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، التي تساهم في توفير ما بين 40 و50% من الموارد المائية في المناطق شبه القاحلة. كما دعا إلى استخدام النانو تكنولوجي في الأسمدة للحدّ من التلوث، واعتماد روبوتات الحرث الآلية لضمان دقة عالية في العمليات الزراعية.
واعتبر أنّ تجسيد هذه الإجراءات يقتضي إعادة الاعتبار للخبراء والمهندسين الفلاحيين كقوة اقتراح ومحور قرار، من خلال إشراكهم في لجان الرّقمنة والتعاونيات، مع تسطير برامج تكوين متقدمة بالجامعات تشمل الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات والزراعة الدقيقة، إلى جانب تكوين ميداني عبر ورشات عمل رقمية، بما يحول القطاع الفلاحي من نمط تقليدي إلى قطاع استراتيجي مستدام.
زراعة بدون حرث.. بديل أكثر استدامة
في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى رفع الإنتاجية، يرى كريم حسن أنّ اعتماد تكنولوجيات حديثة تتكيّف مع التحديات المناخية، كالجفاف والتقلّبات الحرارية، أصبح أمرا حتميا، مبرزا أنّ الحرث التقليدي يعد من أسباب فقدان التربة، ما يستدعي التحوّل نحو الزراعة الحافظة كبديل استراتيجي. ويعتمد هذا النمط على مبدأ «الزراعة دون حرث»، من خلال زرع البذور مباشرة في بقايا المحاصيل السابقة، بما يحافظ على رطوبة التربة ويقلّل التبخّر بنسبة معتبرة في المناطق شبه القاحلة.
وأضاف أنّ هذا النظام يعزّز التنوع البيولوجي في التربة، ويحدّ من التآكل، كما يسمح بتقليص استعمال المبيدات عبر تدوير المحاصيل، ما يرفع الإنتاجية إلى 4 أو 5 أطنان للهكتار في السهول الشمالية. وأكّد أنّ هذه التقنية أثبتت فعاليتها خلال موجات الحرّ المسجّلة في 2025، حيث حافظت على استقرار الإنتاج رغم تراجع التساقطات.
وشدّد كريم حسن على أنّ التوعية والتكوين يشكلّان الأساس في التحكّم في التحول الفلاحي، داعيا إلى تنظيم ورشات عمل ميدانية تركّز على استخدام التطبيقات الرّقمية لتحليل بيانات الطقس والتربة، مع توزيع كتيبات مبسّطة بالعربية والدارجة لشرح تقنيات الزراعة الحديثة. كما أوصى بإشراك التعاونيات في حملات توعوية منتظمة، عبر وسائل الإعلام المحلية ومنصّات التواصل الاجتماعي، لشرح مزايا الزراعة الحافظة وتقليص تكاليف الوقود، مع إبراز نماذج نجاح محلية لتحفيز الفلاحين.
التركيز على الإنتاجية والتنظيم العلمي
خلص رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي إلى أنّ خارطة الطريق، التي سطّرها رئيس الجمهورية تهدف أساسا إلى تأمين قوت المواطن ورفع الإنتاج في الهكتار الواحد كأولوية قصوى، ضمن مقاربة علمية ذات بعد وطني واجتماعي واقتصادي. وأكّد أنّ تحقيق هذا الهدف يستوجب اعتماد الزراعة الدقيقة، واختيار بذور مقاومة للجفاف، إلى جانب إشراك المهندسين الفلاحيّين في إعداد بروتوكولات زراعية متكاملة تغطي مختلف مراحل الإنتاج. كما ثمّن توجيهات رئيس الجمهورية بمراجعة قانون التوجيه الفلاحي، بما يسمح بإدراج آليات تنظيمية حديثة، وتشجيع التعاونيات عبر التحفيزات المالية والرّقمنة.



