تشخيـص دقيـق للاحتياجات وتقدير لقـدرات الإنتــاج
مخرجات مجلس الوزراء محطة مفصلية في مسار إصلاح وتنظيم القطاع
أكّد الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة أنّ مخرجات اجتماع مجلس الوزراء، الذي ترأّسه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، مساء أول أمس، تشكّل محطة مفصلية في مسار إصلاح وتنظيم القطاع الفلاحي، من خلال جملة من القرارات الإستراتيجية التي تمسّ جوهر الإنتاج الفلاحي والأمن الغذائي الوطني.
أوضح بوخالفة لـ»الشعب» أنّ أولى القرارات المحورية تمثلت في تعميم الرّقمنة في قطاع الفلاحة، باعتبارها أداة أساسية لتحقيق الشفافية، والقضاء على البيروقراطية، ووضع أسس تنظيم حديثة للقطاع.
وأبرز أنّ الرّقمنة تمكّن من ضبط الأرقام الحقيقية للإنتاج، وتنظيم أكثر من 34 شعبة فلاحية نباتية وحيوانية، بما يسمح بإجراء تشخيص دقيق للاحتياجات، وتقدير قدرات الإنتاج، واتخاذ القرار المناسب في حالات الفائض أو العجز.
وأشار الخبير الفلاحي إلى أنّ وضع ورقة طريق وطنية للفلاحة يعد قرارا لا يقل أهمية، مذكّرا بأنّ الجزائر كانت عبر التاريخ بلدا فلاحيا بامتياز، لاسيما خلال العهد النوميدي، حيث كانت تصدّر المنتجات الفلاحية وعلى رأسها القمح الصلب ورؤوس الأغنام من سلالات معروفة. غير أنّ غياب التخطيط الاستراتيجي والمتابعة الميدانية وسوء التسيير، خاصة بعد الاستعمار وبعد الاستقلال، أثّر سلبا على مكانة الفلاحة.
نمتلك مقوّمات الإنتاج الفلاحي
أكّد محدثنا أنّ الجزائر تمتلك كل مقومات النجاح الفلاحي، من أراض زراعية شاسعة، ووفرة في المياه، وشمس دائمة، غير أنّ التحدي الحقيقي يكمن في التخطيط والمتابعة والتنظيم. وفي هذا الإطار، شدّد رئيس الجمهورية، بحسب المتحدث، على ضرورة إعداد ورقة عمل فعّالة لإنجاح برنامجه الرامي إلى تحقيق الأمن الغذائي، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من السّيادة الوطنية.
كما أبرز بوخالفة أنّ الرئيس أكّد على احترام المسارات التقنية في الإنتاج الفلاحي، ومتابعة حملة الحرث والبذر، مع توفير كل عوامل الإنتاج من بذور وأسمدة ودعم مباشر للفلاحين.وذكّر أنّ الدولة اتخذت عدة إجراءات داعمة، من بينها مراجعة قانون الاستثمار، لاسيما تعديل المادة 49/51، بما سمح للمستثمرين الوطنيّين وللشراكات الأجنبية بولوج المجال الفلاحي.
وفيما يخص العقار الفلاحي، أشار المتحدث إلى أنّ رئيس الجمهورية أصدر أوامر صارمة لإيجاد حلّ نهائي لهذا الملف، بالتزامن مع رفع أسعار استرجاع الحبوب من طرف الديوان الجزائري المهني للحبوب، حيث بلغ سعر قنطار القمح الصلب 6000 دينار، والقمح اللين 5000 دينار، والشعير والخرطال 3400 دينار للقنطار.
رفع المردودية من 17 إلى 40 قنطارا في الهكتار
أضاف الخبير أنّ من بين القرارات المهمة أيضا رفع دعم الأسمدة من 20 إلى 50 بالمائة، خاصة الأسمدة المنتجة محليا مثل اليوريا 46، مشيرا إلى أنّ الجزائر تعد من الدول الرائدة عالميا في إنتاج هذه المادة، إلى جانب الفوسفات، لاسيما مع مشروع تبسة الذي سيمكّن الجزائر من تغطية حاجياتها الوطنية والتوجّه نحو التصدير.
وفي مجال الري، أوضح بوخالفة أنّ الدولة أولت أهمية كبيرة للرّي الذكي، مع دعم يصل إلى نحو 70 بالمائة، إضافة إلى فتح المجال لاستيراد العتاد الفلاحي الكبير الموجّه للزراعات الاستراتيجية والنباتات الزيتية. كما تم التأكيد على التنسيق بين وزارة الفلاحة ووزارة البحث العلمي لإدماج التقنيات الحديثة في الزراعة، بهدف رفع المردودية.
إعادة تنظيم شعبتي اللّحوم
فيما يتعلق بشعبة اللّحوم، أشار بوخالفة إلى مشروع الشراكة بين الجزائر وشركة «بلدنا» القطرية، لاستغلال مساحة تقارب 17 ألف هكتار لإنتاج الأعلاف والحبوب واللّحوم والحليب، وما يحمله من فوائد تتعلّق بنقل التكنولوجيا، وخلق أكثر من 5000 منصب عمل، وتحويل الصّحراء إلى فضاءات خضراء منتجة. كما تطرّق الخبير ذاته إلى مشروع آخر بالشراكة مع إيطاليا لاستغلال 36 ألف هكتار لإنتاج القمح الصلب ومشتقاته.
وأكّد في السياق أنّ رئيس الجمهورية شدّد أيضا على إعادة تنظيم شعبتي اللّحوم البيضاء والحمراء، اللتين لم تحقّقا النتائج المرجوة بسبب سوء التسيير وغياب التخطيط، رغم توفر كل عوامل الإنتاج، داعيا إلى معالجة الفوضى التي تعرفها هاتان الشعبتان من خلال تنظيم محكم يضمن استقرار الإنتاج والأسعار.وبالنسبة للحوم الحمراء، أوضح الخبير أنّ أسباب الغلاء تعود أساسا إلى الأعلاف، بسبب تراجع مساحات السّهوب التي كانت تمثل نحو 30 ألف هكتار، حيث باتت اليوم مناطق جرداء، قائلا: «أصبحنا نعتمد على الشعير والنخالة وهو دعم، لذلك يجب إعادة التفكير في كيفية إحياء مناطق السّهوب مع إنجاز حواجز مائية وسدود».وخلص الخبير ذاته إلى التأكيد على أنّ القطاع الفلاحي أصبح اليوم ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، بقيمة إنتاج تناهز 38 مليار دولار، ومساهمة تتراوح بين 12 و15 بالمائة في الناتج الداخلي الخام، إضافة إلى توفير نحو 25 بالمائة من مناصب العمل، معتبرا أنّ تنظيم هذا القطاع سيمكّن الجزائر من التحول من بلد مستورد إلى قطب فلاحي مصدّر بامتياز.




