المهندس محمد معمري ل”الشعب”: برامج متعددة لتحسين وضعية الفلاحين
الفلاحة من الطابع الاجتماعي التقليدي إلى ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني
رافعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي وإنهاء الارتهان للاستيراد والتبعية
وضعت السلطات الجزائرية هدف تحقيق الاكتفاء والأمن الغذائيين في صلب أولوياتها منذ تولّي رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، مقاليد الحكم قبل ست سنوات، ونجحت في رهان عصرنة القطاع الفلاحي، وتوسيع الاستثمارات المحلية والأجنبية في شتى المحاصيل الزراعية الإستراتيجية مثل القمح، والشعير، والتريتيكال، والذرة الصفراء، والسّلجم الزيتي، دوار الشمس والبنجر السكري.
تحوّل القطاع الفلاحي في عهد الرئيس تبون من الطابع الاجتماعي التقليدي إلى ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني، ورافعة رئيسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي في شتى المحاصيل والمنتجات، بعد عقود من الارتهان للاستيراد والتبعية المفرطة للخارج في أدنى المواد الاستهلاكية، حيث باتت الفلاحة، اليوم، المصدر الأول لتوفير السلع واسعة الاستهلاك، وتتأهب بكفاءة لولوج مجال التصدير واكتساح الأسواق الأجنبية خاصة في الخضر والفواكه كالبطاطس والتمور والزيتون والحمضيات.
وفي أحدث التقارير، دوّن القطاع الأخضر في الجزائر نموًا معتبرًا تجاوز 5% سنة 2025، نتيجة تواصل الجهود الحكومية في دعم ومرافقة الفلاحين، وزيادة المردودية بالهكتار الواحد في كافة المحاصيل بسبب نجاعة التسميد والمعالجة الفطرية والحشرية، وإدخال تقنيات حديثة في الإنتاج تتماشى والتطورات الحاصلة في العالم.
وعكست النتائج الفلاحية النوعية لعام 2025، والسنوات التي تلته، أهمية القطاع الأخضر كرافد تنموي مستديم للبلاد، في ضوء مساعي تحرير الاقتصاد الوطني الحثيثة من التبعية للمحروقات، والدفع بإرادة سياسية قوية وجدية نحو تنويع الإنتاج المحلي في شتى القطاعات ومنها الزراعة.
هذه الأرقام الإيجابية، وفقًا للمصادر الرسمية، أثمرت بالفعل تحقيق اكتفاء ذاتي العام الفارط في القمح الصلب وفي كل الخضروات والفواكه بكل أنواعها وصنوفها الاستهلاكية، بعد التقيد قسرا باستيرادها لتلبية حاجيات السوق الوطني الملحّة، وفرض الأمر الواقع على الخزينة العمومية لتمويل تلك العمليات بعشرات ملايير الدولارات سنويًا.
وقد وجّه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في اجتماع مجلس الوزراء الذي ترأسه أمس الأول، بمواصلة تنظيم القطاع وإبقاء هدف رفع نسبة الإنتاج في الهكتار الواحد كأولوية الأولويات، وتسخير كل الإمكانات وتهيئة كافة الظروف لرفع طاقة إنتاج الحبوب، بالنظر لإرادة وعزيمة عصرنة هذا القطاع الاستراتيجي المتمتع بعناية قصوى.
كما شدد رئيس الجمهورية، على ضرورة اعتماد الطرق العلمية في كل مراحل الزراعة وفق إستراتيجية متكاملة وبمشاركة الخبراء والمهندسين الفلاحيين، ومراعاة نوعية البذور وخصوصية كل منطقة وأتربتها، مراجعة قانون التوجيه الفلاحي بما فيها آليات التنظيم وضبط الإنتاج الفلاحي، مع العمل في قطاع الفلاحة وفق قاعدة تقليص الاستيراد دون خلق أي ندرة في السوق، وذلك بتشجيع استحداث التعاونيات المتخصصة، لاسيما مع التحفيزات الجديدة التي تواصل الدولة تقديمها.
وفي ذات السياق، أمر المسؤول الأول في البلاد، وزير الفلاحة بضرورة إيجاد الحلول المناسبة والعاجلة لعودة إنتاج اللحوم الحمراء والبيضاء بمستوى يُلبّي حاجيات السوق الوطنية، وذلك بإشراك المنتجين والمربين، منوهًا بالتزام الدولة بمواصلة تسوية العقار الفلاحي للفاعلين والناشطين في الميدان من منطلق أن الأرض لمن يخدمها، لتحقيق الإنتاج بأفضل المستويات.
وفي ما يتعلق بحملة الحرث والبذر لموسم 2025/2026، حدّد الرئيس تبون هدف القطاع الذي ينبغي الوصول إليه باعتباره على رأس الأولويات، وهو رفع المساحة الفلاحية المزروعة إلى 3 ملايين هكتار، مؤكدا مرة أخرى على الطابع الاستعجالي لاستيراد العتاد الفلاحي الموجه للحصاد، خاصة لمحاصيل الحبوب والذرة وعباد الشمس.
نجـاح تطبيـق خطــة رئيـس الجمهوريـة
تمخّضت النهضة الزراعية الحديثة في الجزائر الجديدة والمنتصرة، إثر نجاح تطبيق خطة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، للإنعاش الفلاحي الشامل، استهلها بإطلاق إصلاحات عميقة وجذرية في القطاع الأخضر سنة 2020، اعتمدت على العصرنة، والدعم اللامحدود للفلاحين والمستثمرين، وتشجيع الإنتاج المحلي الموطني على نطاق واسع، وتوفير موارد مائية سطحية وجوفية هائلة، وتجريب عديد المحاصيل محلّ توريد لأغراض صناعية تحويلية على غرار دوار الشمس والسلجم الزيتي والذرة الصفراء في أقاليم الوطن القارة شمالاً وجنوبًا، التي أظهرت بدورها نجاحًا لافتًا في باكورة حصادها الأول، وبمردودية أعلى حتى من دول المنشأ الأصلية المصدرة لها.
وتزامن ارتفاع الإنتاج الفلاحي، وانخفاض وارداته إلى الحد الأدنى، وبلوغ الاكتفاء الذاتي في العديد من المحاصيل الإستراتيجية، مع جهود دعم وتوطين سلاسل التصنيع التحويلي الغذائي على المستوى المحلي، وكذا توسيع الاستثمار الزراعي، من خلال شراكات فاعلة بين متعاملين اقتصاديين وطنيين وأجانب.
وبلغت القيمة التقديرية للإنتاج الفلاحي الكلي لعام 2025، حوالي 38 مليار دولار، ما رفع من حجم مساهمة هذا القطاع الإستراتيجي في الناتج الإجمالي السنوي الخام، وتموضعه كثاني أكبر القطاعات المنتجة والمدرة للثروة في البلاد بعد المحروقات.
استغلال أمثــل للطاقــات الوطنـية المتاحـة
وفي هذا الخصوص، أكد رئيس مكتب الإتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين لولاية توقرت، المهندس محمد معمري، أن القطاع الفلاحي الجزائري شهد عدة إصلاحات في عهد الرئيس تبون، كان الهدف منها إيجاد الإطار التنظيمي الأمثل للحصول على نتائج جيدة أو أفضل من السابق، عبر الإستغلال وتثمين كل الطاقات الوطنية المتاحة.
وأوضح محمد معمري، في تصريح خصّ به “الشعب”، أن السلطات العليا أولت أهمية كبيرة للقطاع الفلاحي، نظرًا للإمكانات التي يتوفر عليها من موارد طبيعية وبشرية ونباتية وحيوانية، تؤهله لرفع رهان التنمية وزيادة الناتج الداخلي الإجمالي الخام، مع توفير مناصب شغل دائمة للسكان خاصة في المناطق الريفية، حيث رسمت خطة عملية بتوجيه من رئيس الجمهورية، ترمي إلى تحقيق التوازن والاستقرار والأمن الغذائي الشامل.
وأبرز معمري أن الخطة ارتكزت على تشجيع الإنتاج المحلي، وتوفير التسهيلات اللازمة كبرامج الدعم والتحفيزات المالية والتقنية التي مُنحت للفلاحين والعاملين في القطاع الزراعي، وكذا الاستثمار في البنية الأساسية التي قامت بها الدولة لتوفير الظروف الملائمة مثل تشييد مخازن وصوامع الحبوب الكبرى، والسعي بجدّ من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي في مختلف المنتجات الفلاحية.
ومن بين أهم قرارات الرئيس تبون، التي أسهمت في تحسين وضعية الفلاحين والمستثمرين، هو تهيئة وترقية مناخ الأعمال وبيئة الإنتاج الوطني، وتسوية ملفات الإستثمار الزراعي العالقة، وتحيين ملف العقار الفلاحي والدفع نحو حلّه مشكلته، مما أضاف الكثير للمنتجين وأتاح لهم فرص الاستفادة من دعم الدولة، بحسب قوله.
حماية النظام الإيكولوجي واستصلاح الأراضي
يرى الخبير الفلاحي معمري أن توجّهات البرامج الفلاحية في الجزائر، باتت تعتمد على حتميات سوسيو-اقتصادية وتقنية، أكسبت القطاع ارتفاعا في المردود والإنتاج الفلاحيين، مشيرًا أن معظم العمليات التي تبنتها وزارة الفلاحة اشتملت على إعادة البناء الهيكلي وحماية النظام الإيكولوجي، واستصلاح الأراضي إلى الحد الذي يفي بغرض تحقيق الإكتفاء الذاتي في شتى المحاصيل.
ولفت محدثنا إلى أن البرنامج الفلاحي سجّل تدخلات ذات صدى كبير منها إرجاع التربة إلى استخداماتها السابقة، وذلك بالتركيز على زراعة الحبوب في مناطق صالحة لها، وإعادة استخدام الأراضي السابق استغلالها في بعض المناطق الجافة أو المعرضة للجفاف بتعويض زراعة الحبوب فيها بغراسة الأشجار المثمرة التي تستطيع تحمل الجفاف، على غرار الكروم والزيتون والنخيل وتربية المواشي.
واعتبر معمري ولاية توقرت (620 كلم جنوب شرق الجزائر العاصمة)، مثالاً حيًّا على النجاح في القطاع الفلاحي، بفضل إصلاحات رئيس الجمهورية، التي ظهرت جليًا في الميدان من حيث التسهيلات الإدارية الملحوظة، والتقدم في تسوية العقار الزراعي، وتوسيع برامج دعم الدولة من كهرباء ومسالك فلاحيين، والدعم الكبير لتسهيل حفر آبار السقي، وإنجاز الأحواض المائية ومحاور الرش، مما استقطب الكثير من المستثمرين وشجعهم على ولوج الاستثمار وتوطين الزراعات الإستراتيجية في هاته الولاية الجنوبية مثل سوناطراك وكوسيدار وأصحاب رؤوس الأموال.
كما تمّ التركيز على تطوير استثمارات إنتاج الحليب واللحوم لتلبية حاجيات السوق الوطني محليًا، وهناك أهداف أخرى للبرنامج تتعلق بمضاعفة المردود الفلاحي في الهكتار الواحد، والرفع من مردود العمل القطاعي مجملاً في السنوات المقبلة، يذكر الخبير والمهندس ذاته.





