يشكّل الموروث الأمازيغي واحدا من أهم مكونات الأدب الجزائري بشكل عام، ناهيك عن ذلك المكتوب باللّغة الأمازيغية بمختلف متغيّراتها، حيث يتم الاستناد إلى التراث الشفوي العريق في البناء السردي، والاستفادة من الحكايات، والأساطير، والأمثال، والأغاني الشعبية التي توارثتها الأجيال. ولا يعتبر هذا الموروث الأمازيغي مادة خاما للإبداع فحسب، بل هو جسر يربط الماضي والحاضر من خلال استحضار الذاكرة الجماعية، وعنصر حاسم في ترسيخ الهوية الثقافية الوطنية.
لا يعتبر الأدب الأمازيغي من مكونات التراث الثقافي الجزائري فحسب، بل التراث الإنساني أيضا، وهو الذي قدّم أول رواية في تاريخ الإنسانية، رواية «الحمار الذهبي» لمؤلفها لوكيوس أبوليوس (أفولاي)، ابن مداوروش الجزائرية.
ولعل الحديث عن حضور التراث الأمازيغي في الأدب الجزائري، يستدعي الحديث عن الأدب الأمازيغي، الذي يجمع بين مكوّنين تراثيّين: الثقافة الأمازيغية بما تزخر به من مهارات وعادات وتقاليد وقصص وأساطير، واللغة الأمازيغية، باعتبارها حاملا لهذه الثقافة، وكنزا تاريخيا يدل على عراقة هذا الوطن.
ويحاول الأدب الأمازيغي، بمختلف أشكاله وأجناسه الأدبية، سواءً القديمة كالشعر والحكاية، أو الحديثة كالرواية والقصة والمسرح، الصمود والبقاء، خاصة بالانتقال من الشفوي إلى الكتابي.
ومن رواية «أفولاي» إلى رواية «موردوس»، التي فاز من خلالها طاهر ولد اعمر، قبل أيام، بجائزة «محمد ديب» عن فئة اللّغة الأمازيغية، عرف هذا التراث الثقافي والتاريخي الكثير من التحوّلات، ولكنه ظل واقفا صامدا، بفضل أقلام المبدعين والباحثين، وبفضل رعاية الدولة بدستورها ومؤسّساتها.
اهتمــام رسمـي بالأدب الأمازيغي
تأتي «جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية»، التي أسّسها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، مثالا على مساعي الدولة الجزائرية إلى ترقية الأدب والتراث الأمازيغيّين، واعترافا منها بأهمية هذا المكون الأساسي في الهوية الجزائرية.
وقد تأسّست هذه الجائزة وفقا لأحكام المرسوم الرّئاسي رقم 20-228 المؤرّخ في 19 أغسطس 2020 (المعدل والمتمم بالمرسوم الرئاسي رقم 24-57 المؤرخ في 23 يناير 2024)، وتنظمها المحافظة السامية للأمازيغية، التابعة بدورها لرئاسة الجمهورية. وتقدّر المكافأة المالية الممنوحة للفائزين بمليون دج للفائز الأول، و500 ألف دج للفائز الثاني، و250 ألف دج للفائز الثالث.
وتهدف الجائزة إلى «مكافأة أحسن الأبحاث والأعمال التي ينجزها المشاركون إمّا فرديا أو جماعيا»، في المجالات المحدّدة للجائزة، وذلك في إطار «تشجيع البحث والإنتاج في الأدب واللّغة الأمازيغية وترقيتهما، سواء كانت الأعمال مؤلّفة باللغة الأمازيغية أم مترجمة إليها».
وتتضمّن الفئة الأولى في الجائزة، وهي «اللّسانيات»، دراسات منجزة بالأمازيغية وعند اللزوم بلغات أخرى، حول التهيئة اللسانية الأمازيغية والمصطلحات والقواعد النحوية وكل ما يتعلّق بالمنظومة الفونولوجية المشتركة أو خصوصيات كل تنوع لساني على حدى، وكذا الدراسات المفرداتية والدلالية والمعجميات لما هو مشترك بين التنوّعات اللسانية الأمازيغية أو خاص بتنوع لغوي معين. أمّا الفئة الثانية «الأدب المعبر عنه بالأمازيغية والمترجم إليها»، فتضم الأعمال الإبداعية المؤلفة باللغة الأمازيغية وكذا الأعمال المترجمة إليها من مختلف اللّغات، سواء تعلق الأمر بالأدب الجزائري أو العالمي، وتشمل الرواية ومجموعات القصص القصيرة والأعمال المسرحية والدواوين الشعرية. كما نذكر الفئة الثالثة «الأبحاث في التراث الثقافي الأمازيغي غير المادي»، والفئة الرابعة «الأبحاث العلمية التكنولوجية والرقمنة».
وفي هذا الصدد، سبق لسي الهاشمي عصاد، الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، التأكيد على أنّ رئيس الجمهورية «هو الذي أقر استحداث أول جائزة سنوية تحمل أعلى تقليد، تستند إلى مرسوم رئاسي يضمن ديمومتها ومصداقيتها، وسخّر لها الإمكانات والشروط الموضوعية لإبراز الإبداع والتميّز باللغة الأمازيغية، بكل المتغيرات اللسانية المتداولة عبر التراب الوطني، وفق أحكام الدستور».. واعتبر عصاد بأنّ هذه الجائزة قد سمحت، طوال طبعاتها السابقة، «بتثمين العملية المعرفية والأدبية بكل تنوعاتها اللسانية» عبر محاورها الأربعة الرئيسية، وهو ما «مكّن الأمازيغية من الحضور بشكل بارز ونوعي في الفضاء العلمي، الثقافي والإعلامي الوطني»، خاصة وأنّ «كل هذا المجهود يهدف أساسا إلى صون كنز اللغة كذاكرة حية عابرة للأزمنة ورافدا رئيسيا للمحمول التاريخي والحضاري والاجتماعي للأمة الجزائرية».
من جهتها، أصدرت المحافظة السامية للأمازيغية ما يفوق 350 عنواناً، والمئات من المنشورات العلمية والأدبية، وعشرات الوسائط الرقمية والسمعية البصرية، بالإضافة إلى إصدار الأعمال المتوّجة بجائزة رئيس الجمهورية.
التراث الأمازيغي لمقاومة الاستعمار الفرنسي
في دراستها لتمثّلات الهوية في الرواية الجزائرية، خلصت الدكتورة شهرة بلغول (جامعة أم البواقي)، إلى أنّ الهوية الثقافية الجزائرية متعدّدة الأبعاد والانتماءات، وقد يمثلها الكتاب وفق أنماط مختلفة ارتبطت بالسياقات التاريخية التي مرّت بها الجزائر.
ومن الأمثلة التي تناولتها الباحثة، رواية «ابن الفقير» لمولود فرعون، ووجدت بلغول أنّ «الارتباط بالأرض والتأكيد على طابعها الأمازيغي يعكس رغبة الكاتب في إثبات هويته المتميّزة عن المستعمر، هوية متجذّرة في كل تفاصيل الحياة، يتحلّى ذلك من خلال الانتساب إلى الجدّ إذ تفقد الأسماء الشخصية قيمتها الدلالية أمام سطوة السلف».. كما يشير الكاتب إلى قدسية «الجماعات»، وهي عبارة عن مجموعة من أعيان الحي، تدير شؤونه وتفصل في الخلافات وفق الأعراف المتوارثة عن الأجداد، ولطالما كانت مقاومة للسلطة الاستعمارية.
وتلاحظ الباحثة حضور التراث الأمازيغي في جانب آخر، من خلال توظيف الكاتب للعديد من الأمثال والألفاظ الأمازيغية، «ما يعكس رغبته في تخليد هذا البعد من أبعاد الهوية الثقافية»، مضيفة أنّ رواية «ابن الفقير» قدّمت صورة واضحة عن جزائر تختلف عن تلك التي تدّعي فرنسا أنها جزائر فرنسية، و»أتاحت للمتلقّي آنذاك رؤية الحقيقة من أبعادها المغيبة، حيث يحظى الارتباط بالعرق والتقاليد بأهمية بالغة في تحديد معالم الذات تصل درجة التقديس، في ظل مجتمع محافظ».
من الشفوي.. إلى المكتوب
من جهته، اعتبر البروفيسور محمد جلاوي (جامعة البويرة)، أنّ الرواية، كجنس أدبي جديد في الحقل الإبداعي الأمازيغي، جاءت ثمرة للنقلة التطورية التي شهدها الأدب الأمازيغي في سفره من الشفوي إلى المكتوب، وأنّ الفعل الروائي الأمازيغي، على جدّته وحداثة عهده، قد حقّق تراكما كميا ونوعيا لا يُستهان به، عالج بمضامينه كل الموضوعات التي تتيحها السياقات والتحوّلات العامة للمجتمع.
ووفقا لجلاوي، فإنّ الكثير من الدراسات تشير إلى أنّ النص السردي «لوالي نوذرار» (ولي الجبل)، لمؤلفه بلعيد آيث علي (واسمه الحقيقي أزرار بلعيد) سنة 1946، يعد إرهاصا أوليا لميلاد الرواية الأمازيغية، لما يحمله من بعض المقومات الفنية، سواءً على مستوى الجماليات التعبيرية، أو على مستوى الحبكة الفنية. بالمقابل، يؤكّد جلاوي أنّ الميلاد الفعلي للرواية الأمازيغية كان بظهور النصوص السردية المكتوبة بلغة أمازيغية حديثة، بداية من الثمانينيات.
وأشار الباحث إلى أمثلة عديدة عن روائيّين تطرّقوا إلى مواضيع مختلفة، ولكننا نخصّ بالذكر، في هذا المقال، مثالا جمع بين اللغة والتاريخ الأمازيغيّين، وكلاهما مكوّنان تراثيّان.
يتعلق الأمر بـ»عمر أو لعمارة»، الذي اعتبره جلاوي «من الروائيّين القلائل الذين برزوا في ميدان الرواية التاريخية الأمازيغية»، فقد أولى عناية خاصة للمادة التاريخية في جلّ أعماله الإبداعية، وبالأخصّ روايته الشهيرة «توليانوم أو نهاية يوغورطة ـــ تغاران يوغرطن» (2009). في هذه الرواية، يدعو المؤلف قرّاءه لخوض رحلة في عمق التاريخ الأمازيغي القديم، عن طريق استحضار الوقائع التاريخية الخاصة بملك نوميديا الأمازيغي يوغورطة، لاسيما نهايته المأساوية ووفاته بردا وجوعا في قبو معزول یوسم به تولیانوم. والهدف هو فسح فرصة ليوغورطة ليعبّر عمّا لم يعبّر عنه المؤرّخ الروماني «سالوست»، حين كتب مؤلّفه الشهير «حرب يوغورطة». «هذا المؤرّخ الذي أرّخ للأحداث بنظرة الولاء لسلطة روما، واستنسخ الوقائع بموقف الغالب على المغلوب»، يقول جلاوي، مضيفا أنّ هذه الرواية تمكّنت من إعادة بناء عوالم يوغورطة انطلاقا من قراءة نقدية تصحيحية للمادة التاريخية المقدمة من طرف «سالوست»، فقد أسّس الروائي لشخصية يوغورطة منبرا سرديا، عبّر من خلاله عن حكمه ومملكته، وما اتصل بتلك الفترة من انتصارات وخسائر وعوارض ومآثر، وما شابهها من تآمر ودسائس، والخيانة التي أدّت إلى وقوعه في قبضة الرومان. وخلص الباحث إلى أنّ عدة عوامل تضافرت لإنجاح هذا العمل الروائي، ليتأسّس كأول رواية تاريخية أمازيغية، حقّقت قدرا عاليا من النضج الفني.






