دسترة “تمازيغت” محطة مفصلية لحماية التراث اللغوي
يرى الأستاذ ياسين كوداش، أستاذ جامعي سابق وصحفي مختص في الشأن التربوي أن مسار ترقية اللغة الأمازيغية في الجزائر عرف تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة، بدأت بالارتفاع بها والانتقال من دائرة النقاشات الثقافية العامة إلى فضاء التكريس المؤسساتي الرسمي، بما يعكس اعترافا عمليا بأحد المكونات الأساسية للهوية الوطنية الجزائرية.
أكد كوداش أن التنصيص الدستوري على الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، وفق المادة 3 مكرر، شكّل منطلقا حاسما لدعم هذا المكوّن الهوياتي، من خلال “فتح المجال أمام إجراءات وتدابير رسمية لحماية وتقوية وتكريس هذا البعد الهوياتي، وتطويره بكل تنوعاته اللسانية، التي كانت من أهم مهام المحافظة السامية للأمازيغية، بعد إنشائها في 27 ماي 1995، لتكون أول رافد رسمي للثقافة الجزائرية ذات البعد الأمازيغي، والتي كلّفت بتعزيز تعليم اللغة الأمازيغية في الوسط المدرسي”.
وأضاف كوداش أن هذا مكسب “تلته العديد من المكاسب لاسيما إدخال تعليم الأمازيغية في أطوار التعليم الثلاثة. مع الإشارة أن ذلك سبقها بإدراج دراسة اللغة والثقافة الأمازيغية، باللغة الأمازيغية يوميا على الساعة السادسة مساء”.
وعلى الصعيد الإعلامي، يذكر كوداش أن “بث أول نشرة إخبارية بالأمازيغية قبل أكثر من 32 سنة، مهد لمسار تعزّز سنة 2009 بإطلاق القناة الرابعة للتلفزيون الجزائري باللغة الأمازيغية، لترافق بذلك القناة الإذاعية الوطنية الثانية ببث متواصل على مدار الساعة، بمكونات اللغة الأمازيغية ومنطوقاتها القبائلية والشاوية والترقية والمزابية”، وأضاف “وهذا كله بعد رفع مكانة الأمازيغية إلى لغة وطنية، في إطار مراجعة الدستور الجزائري سنة 2002، وكذا فتح قسم للغة الأمازيغية بوكالة الأنباء الجزائرية، لتكون سنة 2018 سنة تكريس ما يمكن تسميته استرجاع السيادة على جزء آخر من الهوية الوطنية، بإقرار يوم 12 يناير رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية، تؤكد التزام الدولة بتعزيز التنوع الثقافي”.
وأبرز أن هذا القرار “يعد تتويجا لمسار طويل من الجهود الهادفة إلى تثمين الموروث الثقافي الأمازيغي، وربطه بالهوية الوطنية في أبعادها الثقافية والتراثية والأدبية”. وأشار كوداش أن هناك “جامعات عديدة من الوطن أصبحت اليوم، تمتلك أقساما وكليات لتنمية وترقية هذا البعد الوطني، وعدد من الولايات تدرس اللغة الأمازيغية بكل منطوقاتها اليوم في تزايد متنام”، معتبرا أن كل هذا يدل على الاهتمام المتزايد بتعليم اللغة الأمازيغية في مختلف مناطق الجزائر، وأضاف أن “الأهم من ذلك البعد الثقافي السياحي والأدبي للمكون المجتمعي الأمازيغي الذي كرسته الدولة، من خلال جائزة رئيس الجمهورية للثقافة واللغة الأمازيغية، والمهرجانات الثقافية والسياحية والتراثية التي تسلّط الضوء على كل مكونات الثقافة الأمازيغية عبر كل ربوع الوطن”.
وأبرز كوداش الدور المتنامي للتقنيات الحديثة في حماية التراث الثقافي الأمازيغي، ماديا ولاماديا، قائلا: “والآن أصبحت تستعمل التكنولوجيات الحديثة في ترقية والحفاظ على التراث الثقافي الأمازيغي المادي واللامادي”.
ولفت كوداش إلى أن “كثيرين يتذكرون كيف كانت الكتب الأمازيغية غير متوفرة، وإذا توفرت، فإنها لا تعرض علنا، ولكن اليوم بفضل المجهودات الرسمية والشعبية، هناك صالونات ومهرجانات للكتب الأمازيغية، والشعر الأمازيعي وحتى ترقية كل ممارسة ثقافية أمازيغية ذات بعد هوياتي وتراثي وسياحي وإنساني، وتصنيف وطني لبعض المناطق الأثرية والسياحية والألبسة التقليدية والأكلات المميزة للمناطق ذات الثقافة الأمازيغية، والتي لا تكاد تخلو منها ولاية من ولايات الوطن”.
وأضاف “كل هذه المجهودات وغيرها وجب تثمينها وترقيتها، والرقي بها إلى سقف الطموحات والتطلّعات والأبعاد الحقيقية لكل ما تمّ اتخاذه وتنفيذه من قرارات وإجراءات تهدف إلى ترقية هذه المكاسب، وتكريس إرادة رسمية وشعبية في تقوية البناء الوطني، ببناء وحدة هوياتية وثقافية متعددة الأوجه والمكونات، تصنع التفرد والتميز الجزائري”.







