يرى الأستاذ والباحث الجامعي بجامعة مولود معمري بتيزي وزو، سعدي قاسي، أن اللغة الأمازيغية عرفت مسارا حافلا بالإنجازات الكبرى وتنتظرها رهانات مستقبلية، بفضل الجهود المبذولة من طرف الدولة الجزائرية لتعزيز استخدامها في مختلف المجالات، وترقيتها والحفاظ على الهوية الثقافية.
سجّل الكاتب والمترجم سعدي قاسي في تصريح لـ«الشعب” أن الدولة الجزائرية أولت عناية كبيرة في ترقية اللغة الأمازيغية وتعزيز استخدامها في شتى المجالات، باعتبارها إحدى الركائز الهامة والجوهرية في بناء الوطن، ولا يمكن الاستغناء عنها، مشيرا إلى أن الجزائر قد خطت خطوات كبيرة في استخدام اللغة الأمازيغية والحفاظ على الهوية الثقافية، وذلك من خلال تأسيس المحافظة السامية للأمازيغية والمركز الوطني للتعليم البيداغوجي للغة “تامزيغت”، إضافة إلى فتح خمسة أقسام للتخصّص في اللغة والثقافة الأمازيغية عبر خمس جامعات وطنية، ما ساهم في تكوين متخصّصين في اللغة والثقافة الأمازيغية، ونشر الأبحاث، إضافة إلى ترسيخ الهوية الثقافية الوطنية، وتعميم استخدامها في مختلف القطاعات خاصة قطاعي التعليم والإعلام.
وأشار سعدي قاسي أن استخدام اللغة الأمازيغية في قطاع الإعلام، أدى إلى فتح آفاق كبيرة وجديدة للغة وساعد في تقوية النسيج الثقافي الجزائري، خاصة بعد فتح القناة الوطنية الرابعة بالأمازيغية قصد تغطية النشاطات والملتقيات والمؤتمرات الخاصة، فضلا عن تغطية الأحداث الوطنية والدولية بصفة رسمية باللغة الأمازيغية.
جهود الدولة الجزائرية لتعزيز اللغة الأمازيغية والحفاظ على الهوية الثقافية، أخذت عدة أشكال، حسب ما أكد محدثنا، وذلك من خلال دسترة الأمازيغية وترسيمها، وجعلها مادة صماء في الدستور الجزائري منذ التعديل الأخير في 2020، ما اعتبره مكسبا تاريخيا، من أجل الاعتراف بالهوية والثقافة الأمازيغية وترسيم اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية إلى جانب اللغة العربية .
وأبرز قاسي سعدي، أن فتح أقسام متخصّصة في الترجمة من وإلى الأمازيغية في بعض الجامعات الوطنية في السنوات الثلاث الأخيرة، يعتبر انجازا كبيرا قامت به الدولة الجزائرية في مسار ترقية اللغة الأمازيغية، حيث تعتبر هذه الخطوة مكسبا هاما، لإثراء الأمازيغية لغة وثقافة بمصطلحات ونصوص جديدة تقتبسها من اللغات والثقافات الأجنبية والعالمية، كما تعزّز الاحتكاك باللغة العربية كلغة وطنية ورسمية من جهة، ومن جهة أخرى كلغة ديننا الحنيف وحضارتنا العربية والإسلامية التي ننتمي إليها، والتي ساهم في إشعاعها الأمازيغ عبر قرون، إضافة إلى الجهود المبذولة في فتح بعض المدارس العليا لتكوين الأساتذة في مختلف الأطوار، قصد تعميم تدريس هذه اللغة تدريجيا في المدارس الوطنية، يقول محدثنا، وهي العملية التي انطلقت خلال السنة الدراسية الحالية.
وأوضح محدثنا أن تخصيص وترسيم “يناير” كيوم وطني للاحتفاء بالسنة الأمازيغية، واستحداث جائزة رئيس الجمهورية للغة والأدب الأمازيغي، لهما بعد ورمزية عميقة قصد الحفاظ على التراث المادي واللامادي للهوية الأمازيغية والأصالة، ذات البعد التاريخي والأنثروبولوجي العريق، وتشجيع التأليف باللغة الأمازيغية والترجمة إليها، بالإضافة إلى إدخالها في عالم الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة.
جميع هذه المكاسب النضالية والجهود الرسمية للجزائر في تعزيز استخدام الأمازيغية والحفاظ على الهوية الثقافية، حسب الأستاذ والباحث الجامعي، لها هدفان وبعدان استراتيجيان، حيث تتمثل الإستراتيجية الأولى، في تجسيد الوحدة الوطنية والحفاظ عليها في إطارها الطبيعي، الذي يتميز بالتنوع اللغوي والثقافي، حيث تتميز كل منطقة بخصوصياتها المحلية، ولكن رغم هذا الاختلاف يقول: فإن تاريخنا المشترك وديننا الحنيف وروحنا الوطنية، حافظت على تماسك وثبات وحدتنا الوطنية عبر العصور، وجعلتنا أمة واحدة عبر التاريخ، وقد ظهر ذلك جليا إبان الثورة التحريرية المجيدة ـ يضيف محدثنا ـ في حين تتمثل الإستراتيجية الثانية في تحقيق الأمن القومي عبر الأمن الثقافي، وذلك بتعزيز روح الانتماء إلى هذا الوطن والأرض المباركة لكي يتشبع المواطنون ويعتزوا ويفتخروا بأصالتهم ولغتهم وثقافتهم، وبذلك غلق المجال أمام الغزو الثقافي عبر التكنولوجيات الحديث التي تعصف بكل ما هو أصالة وهوية ثقافية.
وأكد الأستاذ الجامعي سعدي قاسي أن يناير يعتبر رمزا من رموز الوحدة الوطنية في كل أرجاء الوطن، ولو تعدّدت خصوصياتهم اللغوية وثقافاتهم المحلية كتعدد تواريخ الاحتفال بـ«يناير” بين 7 و12 و14 جانفي حسب المناطق، إلا أن المبدأ واحد وهو استقبال السنة الزراعية الفلاحية بفرح وسرور وفأل خير، ورمزية واحدة في الثقافة الشعبية العريقة والأصيلة، وهي إحياء الأرض وما تنبتها تعبيرا عن العلاقة الوطيدة بين الإنسان “الكائن الأمازيغي” والأرض والطبيعة وتمسكه بهما منذ العصور الغابرة.







