الإعــلام العصري يقتضي احترام الملكيــة الفكريـة وأخلاقيــات المهنـــة
القانــون الأساسـي للصّحفـي على مستــــوى الأمانـة العامّــة للحكومــة
بن دودة: الإعــلام شريــك أساسـي في حمايــة الإبــداع وبنـاء الوعــي
ثعالبي: مستعــدّون لبنـاء حلــول واقعية تتماشـــى مــع احتياجـات الإعـلام
أكّد وزير الإتّصال، زهير بوعمامة، أنّ التّحديات التي أفرزتها الثّورة الرقمية في مجالي الاتصال والثقافة وضعت ملف الحقوق، كل فيما يخصّه، بما فيها حقوق الإنتاج والتأليف الإعلامي بمختلف الصيغ، ضمن أولويات الدولة الجزائرية.
أوضح بوعمامة خلال إشرافه على افتتاح اليوم الدراسي الموسوم بـ «احترام حق المؤلف ركيزة الإعلام العصري»، المنظم بمقر وزارة الاتصال، بالشراكة مع الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وبحضور رئيس ديوان وزارة الثقافة والفنون، أنّ هذا التّوجّه يأتي تجسيدا لسياسة الدولة القائمة على إرساء منظومة قانونية متكاملة تضع الحقوق في أعلى المراتب، وتفتح الباب على مصراعيه أمام الابتكار والإنتاج النوعي في مختلف المجالات، وعلى رأسها الإعلام والثقافة.
وأشار وزير الاتصال إلى أنّ رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، جعل من «أخلقة الحياة العامة» أحد مستهدفاته الأساسية التي تحظى بعناية فائقة منذ توليه رئاسة الجمهورية، حيث حدّد في برنامجه معالم الطريق من خلال الالتزام بتعزيز الثقافة، لاسيما عبر الدفاع عن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة وترقيتها، ومكافحة قرصنة الأعمال الفنية، إلى جانب تحقيق حرية الصحافة وتعدديتها واستقلالها، مع ضمان احترام القواعد الأخلاقية والمهنية وأخلاقيات المهنة.
إرساء أسس قانونية تكفل حق المؤلّف
وأكّد بوعمامة أنّه تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية، تحرص وزارة الاتصال على إرساء أسس قانونية ومؤسّساتية متطورة تكفل احترام حق المؤلف باعتباره ركيزة أساسية لتطور الإعلام العصري، وضمان إنتاج محتوى إعلامي احترافي وموثوق، وأضاف أن حقوق المؤلف تعد أداة أساسية في حماية الإبداع الأدبي والفني، حيث تمنح هذه الحقوق المبدعين السيطرة على كيفية استخدام أعمالهم، وتضمن لهم المكافأة العادلة على جهودهم الفكرية والإبداعية، مشددا – في الوقت ذاته – على أن هذه الحقوق لا تمنح بشكل مطلق، بل تخضع لاستثناءات وضوابط تهدف إلى تحقيق التوازن بين حماية حقوق المبدعين والمصلحة العامة واحتياجات المجتمع، كما أنها تمثل – يقول الوزير – الاستجابة للحاجة الملحة إلى إقامة انسجام وتحقيق توازن عادل بين حرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومة، وبين حقوق المبدعين والملكية الفكرية، موضّحا أنّ هذا التوازن مسؤولية جماعية ينبغي العمل على تحقيقها.
وذكّر بوعمامة أن الثورة الرقمية التي نعيشها فرضت، ولا تزال تفرض، تحديات غير مسبوقة تتطلب التعامل معها بجدية ومسؤولية، وباحترام كامل لأخلاقيات الإعلام ومهنة الصحافة.
وفي السياق القانوني، أبرز أنّ القانون العضوي رقم 23-14 المتعلق بالإعلام، كرّس حق الصحفي في الملكية على إنجازاته، حيث نصّت المادة 29 على أنّ الصحفي يستفيد من حق الملكية الأدبية والفنية على أعماله طبقا للتشريع الساري المفعول، كما أكّد أن المادة 32 من القانون رقم 23-20 المتعلق بنشاط السمعي البصري نصّت على السهر على احترام حقوق المؤلف والحقوق المجاورة أثناء بث الإنتاج الثقافي والفني، مبرزا أن وزارة الاتصال أوجبت اعتماد آليات تكفل احترام الأحكام التشريعية والتنظيمية السارية، على غرار السلطة الوطنية المستقلة لضبط السمعي البصري ونظيرتها السلطة الوطنية المستقلة للصحافة المكتوبة والإلكترونية، معربا عن أمله في تنصيبهما في أقرب الآجال.
وأكّد الوزير أنّ حق المؤلف في الإعلام العصري يقتضي التكفل بجانب تشجيع الإبداع في إطار حماية قانونية للإنتاج الإعلامي المبتكر، بما يوفر للمبدعين عوامل الثقة والاطمئنان على محتوياتهم الإعلامية المتنوعة، وعلى حقوقهم المادية والمعنوية.
حملات ممنهجة للسّطو على إنتاجها الثّقافي
وفي السياق، شدّد وزير الاتصال على أنّ «حماية الحقوق» تتأكد يوما بعد يوم في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، الذي استغله – بكل أسف – أصحاب الضمائر الميتة والعقول المتحجرة، لقرصنة الأعمال في عالم افتراضي لا يزال بحاجة إلى كثير من الضوابط، باتجاه أخلقة ممارسات رواده وردع لصوص الجهد الإبداعي من أسرة الإعلام والفن والثقافة.
وأضاف الوزير: «بكل أسف، نسمع ونقرأ ونرى يوميا هذه الممارسات المشينة التي يجب وضع حدّ لها»، مشيرا إلى أن هذه السرقات لا تقتصر على الداخل، بل تتجاوز حدود الوطن، حيث تتعرض الجزائر منذ سنوات إلى حملات مدانة للسطو على ما يبدعه أبناؤها في مجالات الفن والثقافة، بل وصلت حتى إلى محاولات السطو على البطولات الرياضية.
“الخضـر” واجهـــوا ممارســات دنيئـة
وسجّل بوعمامة أنّ الجزائر، ومعها أسرتها الإعلامية، تتابع بأسف ما يجرى خلال بعض التظاهرات الرياضية القارية، ومنها كأس إفريقيا للأمم، مشدّدا على أن الجزائر ستظل داعمة ومساندة لنخبتها الوطنية، وعلى رأسها المنتخب الوطني، في جميع الاستحقاقات، بما فيها البطولات العالمية المقبلة، وكأس العالم الذي سينظم خلال أشهر، في أجواء منافسة شريفة ونزيهة، بعيدا عن الممارسات الدنيئة في طبعة “الكان” الحالية التي أساءت إلى الرياضة الإفريقية وقيمها.
“الاحتراف الصّحفي” و”جائزة رئيس الجمهورية”
مراعاة للمستجدّات التي أثرت على المشهد الإعلامي، أعلن بوعمامة أن الوزارة أعدّت جملة من المشاريع الهادفة إلى توفير فضاءات وآليات تكرس وتعزّز حقوق الصحفي ودوره المحوري في الإعلام العصري، ويتعلق الأمر بمشروع مرسوم تنفيذي يتضمّن القانون الأساسي الخاص بالصحفي، مشروع مرسوم تنفيذي يحدّد الشروط والكيفيات والجهة التي تمنح البطاقة الوطنية للصحفي المحترف، إلى جانب إعادة النظر في المرسوم الرئاسي رقم 15-133 المؤرخ في 21 ماي 2015 المتضمّن إحداث جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف، قصد تشجيع وترقية الأداء الإعلامي، من خلال مراجعة القيمة المالية للجائزة، وشروط وكيفيات منحها، والفئات المعنية بالمشاركة فيها.
وطمأن الوزير الأسرة الإعلامية بأنّ العمل على مستوى وزارة الاتصال قد انتهى من إعداد مسودات مشاريع المراسيم التنفيذية المتعلقة بالقانون الأساسي للصحفي قبل نهاية سنة 2025، وهي متواجدة حاليا على مستوى الأمانة العامة للحكومة.
وأكّد بوعمامة أنّ منطلق ومبتغى جهود الوزارة يتمثل في فرض احترام الإعلامي المؤلف، وتسخير وسائل الاتصال وجهود عموم الصحفيين للمساهمة في نشر الوعي والتعريف بحقوق المؤلف في مختلف التخصصات، مبرزا أنّ الصحفيين معنيون بالدفاع عن تراثنا الوطني الذي أصبح هدفا لهوّاة ومحترفي السطو، لما يحمله من بصمات إبداعية وجمالية تدحض بالحجة محاولات التضليل، ولن تنال من إرثنا الحضاري طالما يتم تسجيله وحمايته ونشره على أوسع نطاق.
الدّولــة تحمــي أبناءهــا
وفي سياق آخر، أشاد وزير الاتصال بالقرار الحكيم والمسؤول لرئيس الجمهورية القاضي بتوجيه نداء إلى الشباب الجزائري المتواجد بالخارج في أوضاع صعبة وهشّة وغير قانونية، ممّن دفع بهم إلى الخطأ من قبل أشخاص توهّموا أنّهم يمكن أن يسيئوا إلى مصداقية الدولة بهدف استغلالهم ضد بلدهم وتوظيفهم وقودا لأجندات وحملات عدائية قذرة تستهدف بلدنا، من أولئك الذين صاروا معدومين ومكشوفين ومفضوحين أمام الجميع، معتبرا أنّ قرار مجلس الوزراء القاضي بتسوية وضعية هؤلاء الشباب يعكس حرص الدولة على احتضان جميع أبنائها داخل الوطن وخارجه، مع تأكيدها – في الوقت ذاته – على صون هيبة الدولة والتصدي الصارم لكل من يتآمر على الوطن أو يتحول إلى أداة في مخططات عدائية تستهدف الجزائر وشعبها.
وختم الوزير بالقول: «مبادرة رئيس الجمهورية تؤكد أن الدولة تحمي وتجمع وتمد يدها لأبنائها المغرر بهم، وتتيح لهم كل سبل العودة إلى حضن الوطن، في الوقت نفسه تصون كامل هيبتها وتحتفظ بصرامتها بالتصدي لمن وضع يده في يد أعداء الوطن، وتحوّل إلى أداة رخيصة يوظّفها هؤلاء في مخططاتهم الدنيئة».
توقيع رخصــة الاستغـلال العمومــــي
جدير بالذكر أن وزير الإتصال أشرف على توقيع رخصة الاستغلال العمومي بين الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة وقناة «سميرة تي في»، مثمّنا هذه الخطوة التي تندرج ضمن سلسلة اتفاقيات مماثلة مع قنوات وطنية أخرى، على غرار قناة «آل 24» وقناة «الحياة»، مؤكّدا أن الجزائر تزخر بمؤسسات إعلامية مسؤولة وواعية بدورها في احترام حقوق المؤلف، وتعزيز إعلام عصري مهني.
الانخراط في ديناميكية حماية الإبداع الوطني
من جهتها، أكّدت وزيرة الثقافة والفنون، في كلمة لها بالمناسبة، قرأها نيابة عنها رئيس ديوان الوزارة، محمد سيدي موسى، أنّ الإعلام يشكّل ركيزة محورية في بناء الوعي الجماعي وصناعة المعنى، معتبرة أن مسؤوليته لا تقل أهمية عن دور المدرسة أو الجامعة أو المسجد، لما له من تأثير مباشر في الوجدان الفردي والجماعي.
وأوضحت بن دودة أنّ هذا اللقاء يمثل لحظة تفكير جماعي يتقاطع فيها الإعلام مع الثقافة، وتطرح من خلالها أسئلة جوهرية حول الأثر الذي تتركه الكلمة والصورة والعمل الفني في الذاكرة الجماعية.
وأشارت الوزيرة إلى أنّ وسائل الإعلام صانعة للمعنى، ترسم خرائط الوعي بمسؤولية حضارية، وتحمل صورة الجزائر وعمقها الثقافي إلى الداخل والخارج، مبرزة أن الإعلام المتغذي من الثقافة يصبح أكثر إنسانية وقادرة على الإلهام، في حين يفقد الإعلام المجرد من البعد الثقافي روحه ودوره الحضاري.
وشدّدت الوزيرة على أن الإبداع، لاسيما في مجالات الدراما والبرامج الثقافية، هو ثمرة جهد جماعي لمبدعين وتقنيين وفنانين، ما يستدعي توفير حماية قانونية عادلة تضمن حقوقهم واستمرارية عطائهم، معتبرا أن حق المؤلف يشكّل جسرا متينا بين الحرية والمسؤولية، واعترافا بقيمة الجهد الفكري والفني، وأضافت أن توقيع الرخص مع الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة هو عقد ثقة وشراكة أخلاقية بين من يبدع ومن يبث وينشر، مشيرة إلى أن الديوان يلعب دورا محوريا في تنظيم السوق الثقافي، وحماية التوازن بين مختلف الفاعلين.
وأشارت الوزيرة إلى أن مسؤولية الديوان لا تقتصر على التحصيل والتوزيع بل تمتد الى المرافقة والتكوين والتفسير والتقريب، أن يرافق الإعلاميين كما يرافق الفنانين، موضحة أن هذه الرؤية تشكل جوهر سياسة الوزارة التي تسعى لبناء منظومة ثقافية متكاملة: إبداع، إنتاج، توزيع وحماية.
وأشارت في السّياق، إلى أنّ أبواب الوزارة ستظل مفتوحة أمام كل إعلامي يرغب في الاقتراب من الثقافة، من مواقع التصوير السينمائي، إلى خشبات المسارح، إلى المعاهد الموسيقية، إلى المتاحف، إلى المدن العتيقة»، وأضافت: «نحن بحاجة إلى إعلام يرى في الثقافة مادة نبيلة، إعلام لا يكتفي بالخبر العاجل، بل يحكي القصة ويبحث عن المعنى ويمنح الزمن حقه».
كما دعت الوزيرة القنوات ووسائل الإعلام التي لم تنضم بعد إلى هذه الديناميكية إلى المبادرة بالحوار وتوقيع الرخص، مؤكّدا أن حماية المبدع هي حماية لروح الثقافة الوطنية، وأن هذا اللقاء يشكل نقطة انطلاق نحو إعلام أكثر وعيا، وثقافة أكثر حضورا، وحقوق أكثر احتراما.
“أوندا”..حوار مفتوح مع الفاعلين في “السّمعي البصري”
من جهته، أكّد المدير العام للديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، سمير ثعالبي، أنّ احترام حق المؤلف والحقوق المجاورة يشكل ركيزة أساسية لاستقرار وتطوير الإعلام السمعي البصري في الجزائر، معتبرا أن هذه الحقوق تشكّل عامل ثقة ومصداقية وضمانا لاستدامة المحتوى وجودته.
وأوضح ثعالبي أن اللقاء ينعقد حول مفهوم واحد يحمل دلالة عميقة، وهو المسؤولية، مسؤولية تجاه الفنانين والمبدعين، وتجاه الجمهور، وتجاه مستقبل الإعلام السمعي البصري في الجزائر، مذكرا بأن «خلف كل صورة تبث، توجد ساعات طويلة من العمل والشغف والتعب، وأحيانا الألم، وهي قصة المبدعين.
وبالمناسبة، أعلن ثعالبي استعداد الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة لمرافقة القنوات والمؤسسات الإعلامية، والاستماع لانشغالاتها، والعمل معها على تطوير آليات عملية وبناء حلول واقعية تتماشى مع احتياجات القطاع.
وأشار ثعالبي إلى أنّ الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة يتحدّث اليوم باسم هؤلاء المبدعين، وتتمثل مهمته الأساسية في حماية حقوقهم، وتنظيم تحصيلها وتوزيعها، وضمان كرامتهم المهنية، بما يسمح لهم بالاستقرار ومواصلة الإبداع، وشدّد – في الوقت ذاته – على أن الديوان لا يخاطب المبدعين وحدهم، لأنّه يوجّه خطابه إلى القنوات التلفزيونية والناشرين وكل الفاعلين في القطاع السمعي البصري، مؤكّدا أنّ الهدف هو مرافقتهم من أجل بناء منظومة أكثر استقرارا واستدامة.



