ممـوّن رئيسي مستقبلـي لأوروبـــا وإفريقيا بالطاقــات النظيفـة
محور استراتيجي في الاقتصاد الوطني..وفاعل أساســـي في التصدير
تسير الجزائر بخطى ثابتة لتصبح قوة كهربائية إقليمية تعيد تشكيل موازين الطاقة في حوض البحر المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، فبفضل استثمارات استراتيجية واسعة، باتت تمتلك فائضاً إنتاجياً يؤهّلها للعب دور المموّن العابر للحدود، في وقت يبحث فيه العالم عن أمن الطاقة والاستدامة وتنويع المصادر، والانفتاح التدريجي على الطاقة النظيفة.
لطالما شكّل قطاع الطاقة محورا استراتيجيا في الاقتصاد الوطني، غير أنّ التحولات الأخيرة نقلت الجزائر من مرحلة تلبية الطلب الداخلي إلى مرحلة التموقع كفاعل محوري في التصدير.
في الوقت الراهن باتت الجزائر تمتلك قدرات إنتاج تسمح له بدخول أسواق إقليمية ودولية، وتفتح أمامه آفاق التحوّل إلى مموّن رئيسي لأوروبا وإفريقيا بالكهرباء، ولاحقا بالهيدروجين الأخضر.
وتستند هذه القفزة النوعية إلى قاعدة إنتاج قوية، إذ تبلغ القدرة المركبة لتوليد الكهرباء أكثر من 27 ألف ميغاواط، مع إنتاج سنوي يفوق 95–96 تيراواط/ساعة. ويسيطر الغاز الطبيعي على مزيج الإنتاج بنسبة تتجاوز 90 بالمائة، ما وفّر للجزائر استقرارا تشغيليا وقدرة على التحكّم في العرض، في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة تقلّبات حادة. هذا الحجم من الإنتاج يخلق فائضا يوجّه بالفعل نحو الأسواق الخارجية، كما هو الحال مع بعض دول الجوار، والتي تستورد احتياجاتها الكهربائية من الجزائر.
ويمثل هذا الفائض منصة انطلاق حقيقية نحو تصدير الكهرباء عبر الربط العابر للبحر المتوسّط. ففي السنوات الأخيرة، انخرطت الجزائر في مبادرات دراسية وتفاوضية مع شركائها الأوروبيّين، ولا سيما إيطاليا، لإنجاز كابل كهربائي بحري يربط الشبكة الجزائرية بالشبكات الأوروبية.
هذا المشروع يؤسّس لتكامل شبكي بين شمال إفريقيا وأوروبا، بما يعزّز أمن الطاقة الأوروبي ويمنح الجزائر موقعا استراتيجيا ورائدا في تلبية الطلب خلال فترات الذروة.
وبالتوازي مع تثبيت مكانتها في الكهرباء التقليدية، تمضي الجزائر في تحوّل مدروس نحو الطاقات المتجدّدة. فبالرغم من استغلال طاقة الغاز، أطلقت مشاريع واسعة للطاقة الشمسية والرّياح، ضمن إستراتيجية وطنية تهدف إلى بلوغ 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجدّدة بحلول 2035.
هذا التوجّه يفتح الباب أمام توظيف الكهرباء النظيفة في سلاسل قيمة جديدة، في مقدّمتها إنتاج الهيدروجين الأخضر.
ومن هنا، يتبلور التحول الأكبر، ويتمثل في الانتقال من فائض كهرباء إلى اقتصاد هيدروجين. وتعمل الجزائر على تطوير صناعة الهيدروجين الأخضر ضمن مشاريع استراتيجية، أبرزها ممرّ الهيدروجين الجنوبي (SouthH2 Corridor)، الذي يربط الجزائر بتونس ثم إيطاليا وألمانيا. ووفق خطط طويلة المدى تمتد إلى عام 2040، تستهدف الجزائر إنتاج 30 إلى 40 تيراواط/ساعة سنويا من الهيدروجين ومشتقاته، بما قد يغطي نحو 10 بالمائة من الطلب الأوروبي في مرحلته الأولى. وبهذا يلتقي مسارا تصدير الكهرباء وتصدير الهيدروجين في رؤية واحدة، وتتمثل في تحويل الجزائر من منتج للطاقة إلى لاعب أساسي في سلسلة القيمة العالمية للطاقة النظيفة.
مركـز إقليمــي للطاقـة
هذا التحول يمتد إلى أبعاد اقتصادية وجيوسياسية عميقة. فمن جهة، يُسهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على صادرات المحروقات التقليدية، ومن جهة أخرى يعزّز الشراكات الإستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي المتعطّش لتوسيع شراكته مع الجزائر، باعتبارها مموّنا تقليديا ثابتا يحظى بثقة راسخة، كما يعيد تمتين وتنويع علاقات الجزائر الإقليمية مع دول المتوسّط وإفريقيا عبر مشاريع الربط الكهربائي والتعاون في الهيدروجين. وتدعم هذه الرؤية خطة استثمارية ضخمة تقدّر بنحو 60 مليار دولار للفترة 2025 و2029، تشمل تطوير الغاز، وتسريع الطاقات المتجدّدة، وبناء منظومة الهيدروجين.
اليوم، تظهر الجزائر نموذجا متقدّما في إنتاج الكهرباء داخل منطقة حوض المتوسّط وشمال إفريقيا، مع فائض قادر على خدمة الأسواق المجاورة والتصدير عبر بنى تحتية جديدة. وبين الاستثمار المتواصل في الطاقة التقليدية والتوسّع المتسارع في الطاقات النظيفة، وبين الربط الكهربائي العابر للحدود والهيدروجين الأخضر، تنتقل الجزائر بثبات من دولة منتجة للطاقة إلى مركز طاقة إقليمي مرشّح للعب دور محوري في أمن الطاقة خلال العقود القادمة.
تجربة الجزائر تعبّر عن تحوّل استراتيجي عميق في تموقعها الطاقي إقليميا ودوليا، هذا التحول يمنح الاقتصاد الوطني فرصة تاريخية لتنويع موارده، ومع استمرار الرؤية الاستثمارية وتكريس الحوكمة الطاقية، تبدو الجزائر مؤهّلة للانتقال من دور المزوّد والمموّن التقليدي إلى ركيزة دائمة في منظومة الطاقة الإقليمية والعالمية، حيث تتحوّل الكهرباء النظيفة من مورد اقتصادي إلى أداة تأثير واستقرار وشراكة مستقبلية واعدة.
حلــول بيئيـة مبتكـــرة
في ظلّ هذه الخطوات المتقدمة، تواصل الجزائر تطوير بنيتها التحتية في قطاع الطاقة، وتبرز خمس محطات كبرى بوصفها نماذج لهذا التوجّه، في مقدمتها محطة بلارة بجيجل، أكبر محطة كهرباء في الجزائر بقدرة تفوق 1600 ميغاواط، إلى جانب محطات حجرة النص بتيبازة، ورأس جنات ببومرداس، وتارقة بعين تيموشنت، وكدية الدراوش بالطارف، التي تتراوح قدراتها بين 1200 و1227 ميغاواط.
أهمية هذه المنشآت تمتد إلى دورها إلى تهيئة القطاع لمرحلة أكثر كفاءة واستدامة وإدماج حلول بيئية مبتكرة، وبهذا المسار، تؤكّد الجزائر نجاحها في بناء منظومة كهربائية قوية قادرة على مواكبة النمو الاقتصادي وتأمين احتياجات المستقبل ولعب دور مهم في الأسواق الخارجية، لأنّ قطاع الكهرباء يشهد في الوقت الحالي توسّعا مدروسا في الطاقات المتجدّدة، لاسيما الشمسية والريحية، في إطار رؤية تهدف إلى تنويع المزيج الطاقوي وضمان استدامته على المدى الطويل.




