خطــة شاملـة لضمان الوفرة واستقــرار الأسعار
استراتيجية استباقيـة لحمايـة القدرة الشرائيـــة
مع اقتراب شهر رمضان الفضيل، تدخل السوق مرحلة خاصة، بسبب تغير أنماط الاستهلاك، بفعل تسارع وتيرة الطلب على المواد الأساسية، وتحرص الحكومة على إنهاء التحضيرات اللازمة بشكل مبكر، لتلبية احتياجات المواطن اليومية؛ لهذا اختارت أن تتقدم بخطوة، عبر مقاربة استباقية شاملة، تقوم على “ضبط عقارب الساعة” الاقتصادية والإدارية على توقيت رمضان، من أجل ضمان استقرار السوق وحماية القدرة الشرائية.
باشرت الحكومة تحركا استباقيا، يهدف إلى إعادة تنظيم التدفقات التجارية والمالية، وضبط سلاسل التوزيع، وتأمين السيولة، بما يضمن استقرار الأسعار ويحول دون تحول رمضان إلى عامل ضغط اقتصادي واجتماعي، ولضمان أريحية للمستهلك الجزائري، من خلال توفير المواد الاستهلاكية والسيولة النقدية على مستوى المؤسسات المالية والمصرفية.
معاملات سلسة وأسعار شفافة
يمثل شهر رمضان بالجزائر، فترة استثنائية تتضاعف فيها مؤشرات الاستهلاك الغذائي، وترتفع وتيرة السحب النقدي، حيث يتجه تركيز المواطن نحو تفقد الأسعار والتموين.. هذه الخصوصية فرضت على السلطات العمومية الانتقال من خيار التدخل الظرفي إلى التخطيط المسبق، تفاديا لأي طارئ لم يكن في الحسبان، مهما كان بسيطا، لضمان راحة المواطن.
وفي هذا الإطار، كثفت الحكومة من إجراءاتها التنظيمية والرقابية، مركزة على محورين أساسيين يتمثلان في وفرة المواد واستقرار الأسعار، فقد تم تعزيز تموين الأسواق بالمواد واسعة الاستهلاك، وضبط سلاسل التوزيع من المنتج إلى المستهلك، مع تكثيف خرجات فرق المراقبة لمحاربة المضاربة والاحتكار، وهما ظاهرتان طالما شكلتا هاجسا للمواطن خلال المواسم الحساسة، كما جرى التأكيد على ضرورة احترام شفافية الأسعار، والتصدي لكل أشكال المضاربة أو الاحتكار التي تتنافى مع القيم الأخلاقية والتضامنية التي يقوم عليها الشهر الفضيل.
ولم تقتصر المقاربة الحكومية على الجانب الردعي، فقد حملت رسالة واضحة للمتعاملين الاقتصاديين، مفادها أن السوق خلال رمضان لا تدار بمنطق الربح وحده، إنما تقتضي منطق المسؤولية الاجتماعية، فالالتزام بالأخلاق التجارية، وضمان التموين المنتظم، وتحسين القدرة الشرائية، عناصر لا تقل أهمية عن وفرة السلع.
إلى جانب ملف التموين، برز التحدي المالي كأحد أبرز رهانات المرحلة، إذ يشهد شهر رمضان إقبالا متزايدا على الشبابيك البنكية ومكاتب البريد، بفعل ارتفاع وتيرة السحب النقدي لتلبية النفقات اليومية والعائلية.
واستباقا لأي ضغط مفاجئ، تحركت السلطات لضمان توفر السيولة عبر مختلف المناطق، خاصة الأحياء الشعبية والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، بما يضمن سلاسة المعاملات ويجنب المواطنين مشاهد الازدحام.
استدامة نهج الاستقرار
وبما أن استقرار السوق وتأمين السيولة وضبط الأسعار، حلقات مترابطة في معادلة واحدة عنوانها حماية القدرة الشرائية وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، والأهم في هذه المقاربة، بعدها الاستراتيجي، إذ تؤكد أن الدولة تعكف على ترسيخ ثقافة جديدة في إدارة الفترات الحساسة، قائمة على التنسيق بين القطاعات، والاستباق، والإنصات لانشغالات المجتمع كأولوية، فاستقرار السوق يرتبط بحسن التسيير، ووضوح الرؤية، والقدرة على توقع التحولات قبل حدوثها.
وتعتزم الحكومة – من خلال الضبط المبكر لتوقيت رمضان – خلق مناخ اقتصادي واجتماعي مطمئن، يسمح للمواطن الجزائري باستقبال الشهر الفضيل في أجواء من السكينة والاستقرار، بعيدا عن هواجس الندرة والغلاء، ونقص السيولة، والرهان المرفوع، يتمثل في استدامة هذا النهج، حتى لا يكون رمضان استثناء في ضبط السوق، بل محطة تؤكد أن التخطيط المسبق هو السبيل الأمثل لحماية الاقتصاد وخدمة المواطن.
ويعكس هذا التحرك المبكر إدراكا متقدما لطبيعة التحولات الاقتصادية التي يفرضها رمضان، ويؤكد أن إدارة السوق أصبحت قائمة على التخطيط والجاهزية، فوفرة المواد، وانتظام التوزيع، وتأمين السيولة تشكل اليوم عناصر طمأنة حقيقية للمواطن، وتمنح السوق هامشا أكبر من الاستقرار، كما يبرز هذا المسعى كفرصة لتعزيز الثقة بين الدولة والمتعاملين الاقتصاديين والمستهلكين على حد سواء، عبر تكريس ممارسات تجارية أكثر انضباطا، ومناخ اقتصادي أكثر توازنا، فحين تتكامل الرقابة مع الالتزام المهني، يتحول السوق إلى فضاء منظم قادر على الاستجابة للطلب دون توترات أو اختلالات، بعيدا عن المضاربة التي تختفي بشكل نهائي. في أجواء كهذه، يمكن للشهر الفضيل أن يكون موعدا للسكينة والتضامن، بعيدا عن هواجس الندرة أو الضغط المالي، فاستقرار السوق يرسخ شعور الاطمئنان لدى المواطن، ويجعل من رمضان محطة إيجابية تعكس فعالية السياسات العمومية وقدرتها على مرافقة المجتمع بثقة واحترافية.




