تنامـي الاستثمارات المرتبطة بسلاسل التحويل والتعليـب والتبريد والتوزيع
إحصـاء 31 ألــف مؤسسة وتوظيــف ما يقـارب 170 ألـف عامل
شهدت الجزائر خلال السنوات الأخيرة ديناميكية اقتصادية لافتة، بدءا من قانون الاستثمار وآليات الدعم الموجّهة للمستثمرين الجادّين، مرورا بتكريس الثقة في المنتوج الوطني عبر حمايته وترقيته، وهي مقاربة عجّلت ببروز استثمارات رفعت التحدي لضمان تزويد السوق المحلية بمنتجات أضحت تنافس بل وتتفوّق في حالات كثيرة على المستوردة.
في عهد سابق، كانت المنتجات المستوردة تستنزف الخزينة العمومية من العملة الصعبة وتزيد من هشاشة السوق من حيث الوفرة واستقرار الأسعار، والحديث هنا لا يتعلّق بالأسعار فقط بل بقيمة المنتج وجودته وانتظام توفّره على مدار السنة.
يبرز ملف الصناعات الغذائية كأحد أبرز تجليات هذا التحول، لأنّ “سلة رمضان” تحديدا كانت لسنوات معيارا حسّاسا لاختبار قدرة السوق على امتصاص الطلب المرتفع دون انفلات في الأسعار، أمّا اليوم فإنّ المؤشّرات الميدانية والقطاعية تعكس انتقالا تدريجيا من منطق “التزويد بالاستيراد” إلى منطق “التزويد بالإنتاج”، مع ضبط أكبر لسلاسل التوزيع وتوسيع قنوات البيع المباشر، وهو ما يظهر في التحضيرات الاستباقية لشهر رمضان لهذه السنة، عبر نقاط بيع إضافية تابعة لمؤسّسات ودواوين عمومية تسمح بالاقتراب أكثر من المستهلك وتخفيف الضغط على الوسطاء، إذ أُعلن في هذا الإطار عن مساهمة القطاع عبر 915 نقطة بيع لتسويق المنتجات مباشرة للمواطن وبأسعار تنافسية.
أرقـــام تتكلّــم
تحولت الصناعات الغذائية في الجزائر في آخر السنوات، إلى شعبة واسعة من حيث عدد المؤسّسات واليد العاملة، إذ كشفت تصريحات رسمية أنّ عدد المؤسّسات الناشطة في الصناعات الغذائية يتجاوز 31 ألف مؤسّسة، توظف ما يقارب 170 ألف عامل، وهو رقم يوضّح وزن الشعبة في الدورة الاقتصادية وقدرتها على خلق مناصب الشغل واستقطاب الاستثمار عبر مختلف الولايات.
وفي نفس السياق، تظهر المؤشّرات الكلية أنّ “التحويل الغذائي” أصبح محرّكا للنمو داخل الاقتصاد الوطني، حيث ورد ضمن قراءة رسمية أنّ القيمة المضافة للصناعات الغذائية ارتفعت بنسبة 5.2%، وهو منحى ينسجم مع توسّع الطلب الداخلي وتنامي الاستثمارات المرتبطة بسلاسل التحويل والتعليب والتبريد والتوزيع.
وفي هذا الإطار، يؤكّد الدكتور زغدودي محمد، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في تصريح لـ«الشّعب”، بأنّ الجزائر عملت خلال السنوات الأخيرة على دعم الصناعة المحلية، خاصة الصناعات الغذائية التي تعد أحد أعمدة الأمن الغذائي، واستطاعت السياسة العمومية أن تجعل هذا التحدي واقعا ملموسا، إذ إنّ المتجول اليوم في الأسواق والمحلات الوطنية يلاحظ وفرة كمّا ونوعا في مواد متعدّدة وبأسعار أقرب للقدرة الشرائية، كما يرى زغدودي أنّ نهج الحمائية الذي تعرّض لانتقادات من أطراف تمسّ مصالحها الشخصية، بات يُقرأ عالميا كخيار دفاعي مشروع، لأنّ العولمة لم تعد مجالا للتعاون فقط بل تحوّلت إلى مجال للتنافس، وبالتالي فإنّ الدول التي لا تصنع ما تأكل وما تلبس تضع سيادتها الاقتصادية في دائرة الخطر.
كذلك يؤكّد زغدودي، أنّ نمو الصناعات الغذائية أسهم في تخفيف نزيف العملة الصعبة والحفاظ على احتياطي الصرف، مقارنة بفترات سابقة كانت فيها الواردات تسدّ فجوات كبيرة في السوق، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الانتقال إلى مرحلة “غزو الأسواق” يصبح منطقيا عندما تتراكم القدرات الإنتاجية وتتطور المعايير، وهو ما ينسجم مع توجّهات رسمية تتحدث عن ضرورة تنويع الصادرات وتقوية سلاسل القيمة.
وعمليا، تظهر بوادر هذا المسار في الحديث عن الصادرات الغذائية الجزائرية، حيث تشير معطيات قطاعية إلى أنّ صادرات الصناعة الغذائية تتجاوز 400 مليون دولار، مع تمركزها في أسواق محدّدة وبعض المنتجات القابلة للتوسّع، مثل التمور والمنتجات السكرية وبعض الصناعات التحويلية. كما تُظهر نفس المعطيات حجم القطاع من حيث شبكة المؤسّسات واليد العاملة، وهي عناصر تعكس أنّ الحديث عن الصناعة الغذائية أصبح منظومة اقتصادية قائمة بذاتها تحتاج حوكمة تصديرية ومعايير جودة وتثبيت العلامة في الأسواق الخارجية، خاصة بإفريقيا جنوب الصّحراء التي تتّجه لتكون إحدى أكبر الكتل الاستهلاكية نموا في العالم.
علاوة على ذلك، فإنّ نجاح الصناعة الغذائية محليا لا ينفصل عن معركة التضخّم، لأنّ الغذاء هو مكوّن يومي في مؤشّر الأسعار، وهو ما تعكسه تقارير المؤسّسات الدولية حين تربط استمرار الضغوط التضخّمية بارتفاع أسعار الغذاء، مع الإشارة إلى جهود توسيع الإنتاج وبناء مخزون للأمن الغذائي كعناصر لتخفيف هذه الضغوط، وقد عرف التضخّم تراجعا كبيرا خلال السنة الماضية في الجزائر إلى حدود 4٪ أو أقل، وهو ما يعكس الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة سواء في ضبط الأسعار أو دعم المنتوج المحلي، وهو الضامن الأكبر لسعر عادل ومستدام على المدى البعيد.
ويرى العديد من المتابعين أنّ التحول الجاري في الصناعات الغذائية بالجزائر يبدو أقرب إلى قفزة نوعية وكمية، تحتاج إلى مزيد الاستثمار وتثبيت معايير الجودة لغزو الأسواق الإفريقية والأسواق الناشئة خاصة، لتكون أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وهذا لن يحصل إلا بتظافر الجهود في القطاعين العام والخاص.



