آليات متعددة لتعزيز الشفافية وترسيخ الديمقراطية
يحمل المشروع التمهيدي للقانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، المصادق عليه من قبل مجلس الوزراء والمطروح حاليا على مستوى المجلس الشعبي الوطني، تغييرات جذرية تهدف إلى تنظيم الحياة السياسية وضمان انضباط الأحزاب، كما يعد خطوة مهمة في مسار تعزيز الشفافية وترسيخ الديمقراطية في العمل السياسي.
ينتظر أن يُحدث مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، الذي عرضه، أمس، وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل سعيود أمام أعضاء لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات بالمجلس الشعبي الوطني، نقلة نوعية في المشهد السياسي الوطني، باعتباره جاء لمعالجة الاختلالات التي أفرزتها الممارسات السياسية السابقة.
وبالنسبة للخبير في القانون الدستوري موسى بودهان، فإن مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب يندرج في انسجام تام مع أحكام دستور 2020، ويهدف إلى إعادة الاعتبار للعمل الحزبي، وربط الممارسة السياسية بقيم الشفافية والانضباط والمسؤولية، من خلال وضع معايير وضوابط دقيقة وتحديد واضح للمسؤوليات.
وأفاد بودهان، في تصريح لـ»الشعب»، أن من بين المسائل الجوهرية التي جاء بها مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، الذي يضم 95 مادة موزعة على سبعة أبواب، أنه أخذ بعين الاعتبار الاقتراحات والآراء والانشغالات التي عبرت عنها التشكيلات السياسية خلال لقائها برئيس الجمهورية.
ومن بين النقاط التي وقع حولها الاتفاق – يضيف بودهان – مسألة عهدات القيادات الحزبية، حيث كانت هناك إشكالية متعلقة بتقييد العهدات، وطالبت بعض الأحزاب بترك هذه المسألة لخياراتها الداخلية.
ويعتقد بودهان أن الصيغة الجديدة لمشروع القانون العضوي للأحزاب السياسية ذهبت نحو تعميم مبدأ تقييد العهدات، ولم تقتصر على الأحزاب فقط، بل شملت كذلك العهدات الأخرى، على غرار عهدة رئيس الجمهورية وعهدة نواب البرلمان بغرفتيه، المحددة بعهدتين لا أكثر قابلة للتجديد مرة واحدة.
وتندرج هذه الإجراءات – حسب بودهان – في إطار تكييف مشروع القانون مع الدستور ومع التطورات الحاصلة على الساحة الوطنية، لاسيما في الجوانب السياسية، مذكرا بأن القانون العضوي 12-04 الذي كان يحكم الأحزاب السياسية مضى عليه أكثر من عشر سنوات، ما استدعى بالضرورة إعادة النظر فيه.
وفيما يتعلق بتكييف هذا القانون مع الدستور، يرى بودهان أنه من الأنسب إعادة استحضار المادتين 57 و58 من الدستور، اللتين تعتبران الأحزاب السياسية مؤسسات دستورية لها حقوق وعليها التزامات، باعتبارها مكسبا ديمقراطيا، وتسهم في تسيير الشؤون العمومية على المستويين الوطني والمحلي.
ويقر المتحدث بأن من أبرز المسائل التي تم الاتفاق بشأنها، تكريس آليات رقابة صارمة على تمويل الأحزاب السياسية، لتفادي التمويل الخفي وغير الشرعي، إلى جانب منع التجوال السياسي، الذي يرى بودهان ضرورة تعميمه ليشمل مختلف المستويات، بما فيها أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية المنتخبين.
كما تطرق الخبير في القانون الدستوري إلى مسألة أخرى وصفها بالمهمة، وتتعلق بغربلة الساحة السياسية من الأحزاب غير الممثلة، مقترحا في هذا السياق اشتراط التمثيل على الأقل في نصف عدد ولايات الوطن، أي 30 ولاية، لمنح الاعتماد، مع الإشارة إلى أن الأحزاب التي لا تشارك في الانتخابات على الأقل مرتين قد تتعرض للحل أو الإقصاء القانوني.
وأضاف بودهان أن مشروع القانون العضوي تضمن أيضا تخفيض سن مؤسسي الأحزاب إلى 25 سنة، مع اشتراط سن 18 سنة بدل 19 سنة بالنسبة للمنخرطين الجدد، مشيرا إلى نقطة تتعلق بالتحديد الدقيق للمسؤوليات داخل الحزب، مؤكدا أن المشروع الجديد وضع حدا لما كان يعرف بـ»تداخل المسؤوليات» بين الحزب كرؤية جماعية ومسؤولية رئيسه.
وفي الختام، أوضح بودهان أن رئيس الجمهورية ارتأى ترك المسائل الداخلية للأحزاب للنظام الداخلي، وعدم تقنينها ضمن أحكام القانون العضوي الجديد.



