الرقمنـة والابتكـار اللغوي.. مفاتيـح الاندماج في الثقافـة الكونية
مواكبة الانتقــال العالمي إلى منطـق التأثـير الرمــزي والمعـرفي
إطــلاق ســوق ثقافيــة في زمــن التغيــير المتســارع.. ضــرورة استراتيجيـــة
الاستثمـار في الإنسان ودعـم للصناعــات الإبداعيـة.. فعـل حيــوي
احتضنت المكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة، أول أمس السبت، فعاليات العدد الثاني من المنتدى الثقافي الشهري الذي تنظمه مؤسسة “أوكسجين للثقافة والفنون”، تحت عنوان “الثقافة غدا.. رؤية استشرافية”، في موعد فكري جديد يعكس وعي القائمين عليه بأن الثقافة أداة لتعلّم الحضارة، ورافعة أساسية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل في عالم سريع التحوّل.
شهد المنتدى حضور نخبة من المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي والفكري، حيث استضاف اللقاء رئيس مؤسسة “صناعة الغد”، بشير مصيطفى الذي قدّم مداخلة فكرية فتحت آفاق النقاش حول علاقة الثقافة بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية، ودورها في صياغة رؤى الغد.
في مستهل مداخلته، توقّف الدكتور مصيطفى عند فكرة المستقبل، معتبرا أن الحديث عنه لا يمكن أن ينفصل عن الوعي الثقافي؛ لأن الثقافة ـ كما قال – تمثل الإطار المرجعي الذي تتشكّل داخله تصوّرات المجتمعات عن ذاتها وعن العالم.
وأوضح مصيطفى أن الرؤية الاستشرافية قراءة عقلانية للراهن، تستند إلى المعطيات والشواهد والإحصائيات، وتُسقطها على مسارات محتملة للمستقبل، وأكد أن نظرية الثقافة اليوم تجاوزت الفهم التقليدي المرتبط بالإنتاج الأدبي أو الفني، لتصبح منظومة شاملة تشمل القيم، وأنماط التفكير، والسلوكيات، وآليات التفاعل مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية.
وشدّد الدكتور مصيطفى على العلاقة العضوية بين الثقافة والتنمية، معتبرا أن أي مشروع تنموي لا يستند إلى قاعدة ثقافية متينة يظلّ هشّا وقابلا للانهيار، باعتبار أنه لا ثقافة بدون تنمية، ولا تنمية بدون ثقافة، موضحا أن المجتمعات التي استثمرت في الإنسان والمعرفة هي الأكثر قدرة على التكيف مع التحوّلات المتسارعة، وأضاف أن الثقافة محرك أساسي للاقتصاد من خلال الصناعات الإبداعية، ورافد مهم لخلق الثروة وفرص العمل، شرط إدراجها ضمن سياسات عمومية واضحة، ورؤى استراتيجية بعيدة المدى.
وفي قراءة تاريخية، أشار مصيطفى إلى أن بعض الأفكار الكبرى مرت بتحوّلات عميقة عبر الزمن، موضحا أن الفكرة التي كانت قبل قرن استعمارية، تحوّلت لاحقا إلى سياسية، ثم إلى تجارية، لتصبح ـ في أفق المائة عام القادمة، فكرة ثقافية بامتياز، واعتبر أن هذا التحوّل يعكس انتقال مركز الثقل من السيطرة المادية إلى التأثير الرمزي والمعرفي.
وتوقّف مصيطفى عند التحولات التي جعلت من العالم قرية كونية، مشيرا إلى أن الرهان المطروح اليوم يتمثل في كيفية الإسهام في الثقافة الكونية، والحضور الفاعل في مسار تطوير العالم، بدل الاكتفاء بدور المتلقي، واعتبر أن الثقافة الكونية تعني الانفتاح الواعي، والمشاركة من موقع الندية، عبر إنتاج فكري وفني وعلمي قادر على التفاعل مع القضايا الإنسانية الكبرى.
وفي ختام مداخلته، قدّم مصيطفى جملة من التوصيات العملية، منها إطلاق منظومة اليقظة التعليمية والروحية لمرافقة التحولات العميقة، انخراط الحكومات في سياسات ثقافية متينة وداعمة للإبداع، دعم الثقافة عبر إنشاء مراكز عربية وإسلامية للتفكير الثقافي من أجل إنتاج معرفي هادف، إلى جانب تعزيز مجاميع اللغة العربية، ونشرها عالميا، وتفعيل النشر العلمي، كما أوصى مصيطفى بتشجيع الابتكار اللغوي والرقمنة، واستثمار وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى دعم الإنتاج الفني بمختلف أشكاله (مسرح، فنون تشكيلية، وسينما)، وإطلاق سوق ثقافية واقتصاد ثقافي، وإنشاء مراكز ثقافية منتجة لا استهلاكية.
وبشّر مصيطفى – من خلال رؤيته الاستشرافية – بأن اللغة العربية مقبلة على حضور عالمي متزايد، مؤكدا أن البوادر الدالة على ذلك عديدة، بينها تنامي المراكز العلمية المعنية بالترجمة، وتوسّع هياكل الإبداع، وازدياد الاهتمام الدولي بالثقافة العربية، لاسيما أنه “تمّ تقدير من يتحدث باللسان العربي بأكثر من 550 مليون نسمة حول العالم، نحو 300 مليون منهم تعدّ العربية لغتهم الأم ونحو 250 مليونا يتخذونها لغة ثانية، وهي بهذا تحتل المرتبة الرابعة بين لغات العالم في عدد المتحدثين بعد الصينية والإنجليزية والإسبانية”.
من جهتها، أكدت مؤسسة “أوكسجين للثقافة والفنون”، من خلال هذا المنتدى، حرصها على ترسيخ تقليد فكري دوري يفتح النقاش حول قضايا الثقافة والتنمية والاستشراف، ويمنح الكلمة لأصوات فكرية قادرة على قراءة الحاضر بعين نقدية، واستشراف المستقبل برؤية عقلانية.


