لم تكد عائلة الصحفي مجاهد بني مفلح، من بلدة بيتا جنوب نابلس، تلتقط أنفاسها فرحًا بخروجه من سجون الاحتلال، حتى وجدت نفسها بعد أقل من ثلاثة أيام أمام كابوس جديد: ابنها يصارع الموت على سرير العناية المكثفة، ما بدا لحظة حرية، لم يكن في الحقيقة سوى هدنة قصيرة قبل أن ينهار الجسد المنهك من الداخل.
فجر الخميس الماضى، نُقل مجاهد على وجه السرعة إلى المستشفى بعد أن سقط مغشيًا عليه، ليتبيّن أنه أُصيب بنزيف حاد في الدماغ، استدعى تدخّلًا جراحيًا عاجلًا ومعقّدًا لإنقاذ حياته، ولا يزال حتى اللحظة يخضع لمراقبة طبية مشددة في العناية المركزة.
منذ اللحظة الأولى لتحرّره، لم يكن مجاهد على ما يرام، بدا شاحب الوجه، شديد الإرهاق، وقد فقد الكثير من وزنه، وكان يعاني من صداع حاد وإعياء دائم. حاول أن يطمئن عائلته بابتسامة متعبة، لكن جسده كان يروي قصة أخرى: قصة أسير خرج من السجن وهو يحمل في داخله آثار التعذيب والإهمال والتجويع، كقنبلة موقوتة تنتظر لحظة الانفجار.
مصادر طبية ربطت بشكل واضح بين النزيف الدماغي الذي تعرّض له وبين ما مرّ به خلال فترة اعتقاله من صدمات جسدية متكرّرة وسوء تغذية حاد، ما جعل حالته الصحية هشّة إلى درجة أن أي مضاعفات كانت كفيلة بأن تضعه على حافة الموت.
قصة مجاهد لا تقف عند حدود حالة فردية، بل تفتح الباب على مشهد أوسع من الاستهداف المنهجي الذي يطال الأسرى الفلسطينيين، وخصوصًا الصحفيين. فمنذ بدء حرب الإبادة، تحوّلت سجون الاحتلال إلى أماكن لا تهدف فقط إلى سلب الحرية، بل إلى تدمير الجسد ببطء، أكثر من مئتي صحفي تعرّضوا للاعتقال خلال هذه الفترة، كثيرون منهم خرجوا بأجساد منهكة وأرواح مثقلة، في محاولة واضحة لكسر الرواية الفلسطينية وإسكات من يوثّق الجريمة.
عائلة مجاهد تؤكّد أن الاحتلال أفرج عنه وهو يعلم تمامًا أنه يواجه خطرًا صحيًا حقيقيًا، أحد أفرادها يروي بمرارة أن مجاهد عاد بجسدٍ مُنهك، كان يحاول أن يبدو قويًا، لكن عينيه كانتا تفضحان ليالي الضرب والحرمان من النوم والطعام. لم يكن بحاجة إلى وقت طويل لينهار، فكل ما تعرّض له داخل السجن كان يعمل بصمت في داخله.
من جانبه، يؤكّد مكتب إعلام الأسرى أن ما جرى مع الصحفي مجاهد بني مفلح ليس حادثًا طبيًا طارئًا إنما نتيجة مباشرة لسياسة ممنهجة تنتهجها إدارة سجون الاحتلال، تقوم على التعذيب والإهمال الطبي والتجويع، ثم الإفراج عن الأسرى وهم في حالة صحية حرجة ويشدّد المكتب على أن هذه الممارسة تمثّل شكلًا من أشكال “الإعدام المؤجّل” أو “القتل البطيء”، حيث يُترك الأسير ليواجه مصيره بعد أن يكون جسده قد استُنزف بالكامل، محمّلًا الاحتلال المسؤولية الكاملة والمباشرة عن حياة مجاهد وعن أي تدهور قد يطرأ على وضعه الصحي.
قضية مجاهد بني مفلح ليست استثناءً، بل جرس إنذار جديد يؤكّد أن سجون الاحتلال لم تعد مجرّد أماكن احتجاز، بل تحوّلت إلى مقابر مؤقتة، يخرج منها الأسرى إمّا شهداء، أو حاملين في أجسادهم بذور موتهم المؤجّل







