«المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.»
(حديث شريف)
المزعجات في هذا الوجود كثيرة؛ لذا دعني أخبرك عن إحداها: يزعجني جدا أن أجد في هذا الفضاء كل حزب متقوقع على نفسه: فالشعراء في ناحية، والروائيون في ناحية، ومثلهم القصاص وكتاب المقال، والهايكو.. فأصحاب كل فنّ منغلقون على أنفسهم بطريقة تدعو إلى الدهشة: علام كل هذا الانغلاق؟!
لا أكذبكم قولا إذا كشفت لكم عن سري في هذا السياق، أنني ـ شخصيا – كنت أنجذب إلى من يشبهني ويشاكلني، وأنفر مما عداه.. بل أتبرم بكل مخالفٍ ومناوئ مهما كانت جودة عقله وجمال منطقه وصواب رأيه.. ثم تبت من كل ذلك أو كدت!!
لقد علمتني الحياة أن كثيرا من الفوائد قد تجدها عند المناوئ وتلفيها عند المخالف أكثر من المناصر والموافق، فمن يناصر أو يوافقك سيغض الطرف عن زلاتك ويتفادى الخوض في مساويك، وما دام في صفك، فلن يجرؤ على نقد نقصك أو إصلاح عيب فيك.. أما غيره فهو متحلل من كل هذه الإكراهات، فهو يقول ما يقول بكل حرية وأريحية، ومن هنا تأتي قيمة ما يقول وقدر ما ينقد.
ثم إن مخالطة الناس الذين لهم ميولات وأمزجة وثقافات مختلفة، هو ما سيضمن انفتاحنا على “آخرَ” يضيف إلى “الأنا” أشياء كثيرة، وسيختزل آمادا كنا نحتاجها للحصول على تلك الخبرات المتنوعة.. فماذا سيحصل لو قرأ شاعر لروائي، وروائي لكاتب قصة، وكاتب قصة لكاتب مقال، وهؤلاء جميعهم لهؤلاء جميعهم؟!
أليس في ذلك فتحا لأبواب ونوافذ ستطور الجنس الأدبي، وتثريه بمقترحات ورؤى ما كانت لتخطر على من يبقى حبيسا في جنس أدبي واحد لا يغادره أبدا.. وقس على ذلك في العلوم والمعارف الأخرى؟!
وعليه؛ فإن المعتكف لقوقعته لا يلبث طويلا حتى ينطلق في قراءة العالَم من خلال الهوة التي ينظر بها إليه (أي العالَم)، فيقع – لا محالة – في رؤية دوغمائية، بسبب الحدود الضيقة التي سيّج بها على عقله.. فلن ينقذه ـ عندئذ – ظنه بنفسه، ولا ظن جماعته به بأن “سوبر مان” لأن كل حي على هذا الوجود له القدر التخييلية لخلق عالم خاص به وتنصيب نفسه ملكا عليه لا يزاحمه فيه أحد.. غير أن العاقل يأنف أن يقع ضحية الخيالات فلا يطمح إلا إلى كل ما هو حقيقي وواقعي، فيختار لنفسه ما يجنبه إضاعة الأوقات والجهود في غير مفيد، ويهرع – بالمقابل – إلى ما يختزل عليه الوقت والجهد.

