بوحاتم لـ”الشعــب”: تحسـين القـدرة الشرائيـة لشريحـة واسعـة من العمّال
يندرج إطلاق البطاقة الإلكترونية للاستفادة من الأدوية لفائدة المعوزّين غير المؤمّن لهم اجتماعيا، في سياق سياسي واجتماعي واضح يقوم على ترسيخ مبدأ الحق في الصحة، باعتباره حقا أساسيا مكفولا لكل المواطنين دون تمييز، وتنفيذا مباشرا لتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الرامية إلى تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاقها ليشمل الفئات الأكثر هشاشة.
يأتي الإجراء في وقت كشف فيه الوزير عن أرقام تعكس حجم الجهد المبذول في قطاع الصحة والضمان الاجتماعي، حيث تم خلال السنة الماضية إنجاز ما يفوق 12 مليون فحص طبي متخصّص على مستوى المستشفيات العمومية، وهو رقم يعكس حجم الضغط على المنظومة الصحية من جهة، وقدرتها على الاستجابة من جهة أخرى. علاوة على ذلك، تم تسجيل تقدّم نوعي في مجال التكفّل بالأمراض الثقيلة، على غرار سرطان الأطفال، الذي أصبح يحظى بتكفّل كامل، مع توسيع هذا الامتياز ليشمل، ولأول مرة، غير المؤمّنين اجتماعيا، في تحول لافت في فلسفة الدعم الصحي.
وتضمن الجزائر، منذ عقود، مجانية الفحص والعلاج في المؤسّسات الاستشفائية العمومية، وهو خيار استراتيجي كلّف خزينة الدولة موارد معتبرة، حيث تصنّف الجزائر في المرتبة الثانية عربيا من حيث حجم الإنفاق الصحي، بميزانية سنوية تقارب 8 مليارات دولار، يتم توزيعها على مختلف ولايات الوطن بهدف ضمان تغطية صحية متوازنة وتقليص الفوارق الجهوية في الولوج إلى العلاج، وتشير معطيات منظمات دولية، من بينها منظمة الصحة العالمية، إلى أنّ الجزائر تحتل موقعا متقدّما في المنطقة من حيث عدد الهياكل الصحية العمومية ونسبة الأطباء لكل ألف نسمة، مقارنة بدول ذات مستوى دخل مماثل.
وفي هذا السياق، يمثل إطلاق البطاقة الإلكترونية للاستفادة من الأدوية لفائدة المعوزّين غير المؤمّنين اجتماعيا، نقلة عملية من الدعم العام إلى الدعم الموجّه، حيث يسمح هذا النظام بضبط أدق للفئات المستحقة وضمان وصول الدواء لمن يحتاجه فعليا، مع تقليص احتمالات التلاعب أو الهدر. كما أنّ اعتماد الصيغة الإلكترونية يعزّز الشفافية ويساهم في تحسين الحوكمة داخل قطاع حسّاس يرتبط مباشرة بالاستقرار الاجتماعي.
وفي قراءة سياسية لهذا القرار، اعتبر الدكتور بوحاتم مصطفى، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ البطاقية الوطنية الإلكترونية تشكّل خطوة مهمة في مسار تكريس العدالة الاجتماعية، لأنها تكرّس منطق توجيه الدعم نحو الفئات المعوزّة بدل تعميمه بشكل أفقي لا يراعي الفوارق الاجتماعية، ويرى المتحدث أنّ هذا التوجّه يعكس فهما عميقا لوظيفة الدولة الاجتماعية، التي لا تقصي أي فئة، بل تضمن لها الحد الأدنى من الرعاية والحماية، خاصة في ما يتعلّق بالحق في الدواء.
وتتقاطع هذه الخطوة مع جملة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية، التي تم اتخاذها خلال الفترة الأخيرة، من بينها الرّفع الرّسمي للحد الأدنى للأجور إلى 24 ألف دينار جزائري، وهو إجراء ساهم في تحسين القدرة الشرائية لشريحة واسعة من العمّال. كذلك، من المرتقب أن تشهد السنة الجارية زيادات جديدة في الأجور، في إطار الالتزامات التي تعهّد بها رئيس الجمهورية لدعم الطبقة المتوسّطة والفئات الهشّة، باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي.
وتندرج عملية إطلاق البطاقة الإلكترونية للأدوية ضمن حلقة سياسة اجتماعية متكاملة تسعى إلى إعادة الاعتبار للمواطن كمحور للسياسات العمومية، في مقابل نماذج إقليمية أخرى أفرزت هشاشة صحية واجتماعية واضحة، حيث تحوّل الفرد إلى مجرّد رقم في المعادلات الإحصائية، وتواصل الدولة الجزائرية المراهنة على خيار الاجتماعي، باعتبار الصحة والكرامة الإنسانية خطا أحمرا، ويترجم ذلك تدريجيا عبر إجراءات ملموسة تتجاوز الخطاب إلى الممارسة.
