تأطير مغاير للمشروع الثقافي يواكب التغيرات الراهنة
نحـو إدماج الثقافة في مسار التنمية المستدامة
أشرفت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، أمس الأول الأحد بالجزائر العاصمة، على انطلاق أشغال أولى اللقاءات التقييمية لفائدة المديرين الولائيين ومسؤولي المؤسسات التابعة للوزارة، المنعقدة تحت شعار “لقاءات الفعل الثقافي الولائي، من الإدارة إلى المناجمنت”، والهادفة لتقديم التوجيهات وضمان تجسيدها بفعالية على الصعيد المحلي.
وبالمناسبة، دعت بن دودة، في كلمتها الافتتاحية بقصر الثقافة “مفدي زكريا”، بحضور مديري الثقافة للولايات ومسؤولي المؤسسات الثقافية تحت الوصاية، إلى مواكبة التغيرات الحاصلة في التصور الجديد في مفهوم الأقاليم الثقافية المتجانسة والمتنوعة.
وأشارت في هذا الصدد إلى أن “الجزائر عرفت مؤخرا إنشاء ولايات جديدة مما سيترتب عنه تغيير في الخريطة الثقافية” وأن الممارسة الثقافية يجب أن تحفزها “مبادئ حوكمة جديدة تضبطها المردودية والفعالية والقدرة على القيام بنشاطات مؤسسة على تصور ورؤية كي يصبح قطاع الثقافة منتجا”.
وبعد أن أبرزت أن الدولة الجزائرية قد استثمرت في بناء منشآت ثقافية كثيرة كدور الثقافة، المكتبات، المسارح وترميم التراث، دعت الوزيرة إلى تعزيز روح المبادرة والابتكار وروح التجديد والإبداع في الفعاليات والنشاطات الثقافية، كما دعت إلى تأطير مغاير للمشروع الثقافي وإلى تكثيف العمل القطاعي والتنسيق بين المؤسسات على صعيد الولاية الواحدة والولايات في بينها، مؤكدة ضرورة “التنسيق والانسجام بين مختلف المسؤولين على المستوى المحلي والجهوي وكذلك المركزي”.
وأضافت أنه “سيتم تقييم الأداءات من الآن فصاعدا من منطلق تجسيد هذا الانسجام” وأن هذا التقييم “سيبنى على مؤشرات الأداء ومدى تحقيق الأهداف والنجاعة والمردودية”.
وعرف لقاء اليوم الافتتاحي تنظيم ورشات في مجالات التراث والكتاب وغيرها، وكذا تقديم مداخلات من طرف مديري ثقافة ومسؤولي بعض المشاريع والمؤسسات الثقافية حول مختلف البرامج المقترحة.
ويُعدّ هذا اللقاء التقييمي الذي خُصّص للفوج الأول، الانطلاقة الفعلية لسلسلة من اللقاءات التقييمية المبرمجة خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 29 جانفي الجاري، حيث تسعى الوزارة إلى تقييم البرامج المسطّرة، ورصد الصعوبات الميدانية، وتبادل التجارب الناجحة، إلى جانب تقديم التوجيهات الاستراتيجية الكبرى، التي من شأنها تصحيح المسار والارتقاء بالخدمة الثقافية المقدّمة للمواطن.
وعرف اللقاء حضورا لافتا للمدراء المركزيين، والمكلّفين بالدراسات والتلخيص، والمفتشين المركزيين، إضافة إلى ممثلي عدد من المؤسسات الوطنية تحت الوصاية، على غرار الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، والديوان الوطني للثقافة والإعلام، والديوان الوطني لتسيير الممتلكات الثقافية المحمية واستغلالها، والمؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، والوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي، والمسرح الوطني الجزائري، وأوبرا الجزائر، إلى جانب المركز الوطني للسينما، والمكتبة الوطنية الجزائرية، وعدد من مراكز البحث المتخصّصة في علم الآثار وما قبل التاريخ، وقد شمل البرنامج تعيين مقررين عن كل مديرية مركزية، بما يضمن توثيقا دقيقا لمخرجات اللقاء وتوصياته.
وشارك في هذا اللقاء ممثلو ولايات: الجزائر، تيبازة، البليدة، المدية، عين الدفلى، البويرة، الشلف، مستغانم، وهران، عين تموشنت، تلمسان، بومرداس، تيزي وزو، بجاية، جيجل، سكيكدة، عنابة، والطارف، في مسعى واضح إلى تحقيق العدالة الثقافية وتكريس مبدأ التوازن الجهوي في التقييم والمتابعة.
وتهدف هذه المبادرة إلى إرساء آلية عمل منتظمة قائمة على المتابعة والتقييم، بما يسمح بتصحيح الاختلالات، وتحسين نوعية الخدمات الثقافية، وتعزيز مبدأ اللامركزية في التسيير، مع توحيد الرؤية بين المستوى المركزي والمحلي، لضمان تنفيذ أكثر نجاعة للاستراتيجية الثقافية الوطنية.
وشهد اليوم الأول عرضا تشخيصيا للبنية الثقافية ومساراتها، قدّمته نوال دحماني، المديرة المركزية للدراسات الاستشرافية للتوثيق والإعلام الآلي بالوزارة، حيث استعرضت واقع الهياكل الثقافية، وآفاق تطويرها في ظلّ التحولات الراهنة.
أما في الشق الأكاديمي، فقد قدّم الأستاذ مهدي سويح، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة وهران 2، مداخلة حول تجارب ذات صلة بالفعل الثقافي، مستعرضا نماذج عملية للتفاعل بين الثقافة والمجتمع. فيما تطرّقت البروفيسور حبيبة العلوي، في مداخلتها الموسومة بـ«لنعش الثقافة.. فكرة النقاط البرازيلية”، إلى كيفية إدماج الثقافة ضمن مسار التنمية المستدامة، باعتبارها رافعة أساسية للتنمية الشاملة.
ويُرتقب أن تتواصل هذه اللقاءات خلال الأيام المقبلة، بما يرسخ ثقافة التقييم ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل الثقافي القائم على التخطيط، المتابعة، والانفتاح على المجتمع المدني والفاعلين الثقافيين..





