تُمثل فلسفة مارتن هايدغر (Martin Heidegger) واحدة من أعمق التحولات في تاريخ الفكر الغربي، فقد صاغ مشروعا فكريا يهدف بالدرجة الأولى إلى تأسيس «أنطولوجيا عامة» (Ontologie générale).. ولم تكن غايته إضافة نظرية جديدة إلى سجلات الميتافيزيقا، إنما كانت محاولة لإعادة إحياء سؤال «الوجود بما هو وجود» بعد قرون من النسيان والإهمال، ففي نظره، انشغلت الفلسفة طويلا بدراسة «الموجودات» (الأشياء والظواهر العينية) وأغفلت البحث في المعنى الأصيل للوجود الذي يمنح هذه الموجودات حضورها وكينونتها.
تتسّم رحلة هايدغر الفكرية بكونها دراسة استكشافية تسعى لاستنطاق ما أسماه «المفهوم الأكثر عتمة وغموضا»، وهو مفهوم الوجود الذي نستخدمه يوميا بعفوية دون أن ندرك كنهه الحقيقي، ولهذا نجد أن هايدغر حريصا على دعوة القارئ للمشاركة في عملية «بحث» مستمرة، خاصة عندما يقترب من السر النهائي لمعنى الوجود.. إنها فلسفة تسعى إلى تجريد الوجود من طبقات التفسيرات التقليدية التي تراكمت حوله، لتعيد بناء صلة مباشرة وأصيلة بالواقع الإنساني والكوني.
ولتحقيق هذا الهدف، وضع هايدغر «الكيان الإنساني» أو ما يُعرف بـ»الدزاين» (Dasein) في قلب مشروعه الأنطولوجي، فهو يرى أن الكشف عن معنى الوجود الكلي لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحليل الكائن الذي يطرح السؤال؛ أي الإنسان، ومن هنا، تصبح دراسة البنية الوجودية للإنسان، وما يتصل بها من مفاهيم كـ»الزمانية»، و»الحرية»، و»المنتهى»، الجسر الضروري للوصول إلى الآفاق التي تطمح إليها تأملات هايدغر، حيث يترابط «الوجودي» (Ontological) بـ»الأنطيقي» (Ontic) في وحدة لا تنفصم، تهدف في النهاية إلى جعل بنية الوجود شفافة ومدركة لذاتها.
الوجـود خــارج المختـــبر
تنبثق خصوصية المنهج عند هايدغر من طبيعة موضوعه؛ فبما أن الوجود مفهوم كلي يشمل كل ما هو كائن، بما في ذلك الإنسان «السائل» نفسه، فإنه يستحيل التعامل معه كموضوع خارجي خاضع للملاحظة المختبرية أو القياس الكمي.. الوجود يغمرنا ويحتوينا، ولذلك لا يمكن استنتاجه من مبادئ منطقية سابقة أو اشتقاقه من مقدمات عقلية مجردة، فالأمر يتطلّب مقاربة تسمح له بأن يفصح عن نفسه من داخل التجربة الحية.بناء على هذا، اعتمد هايدغر المنهج الفينومينولوجي (Phenomenology) كأداة وحيدة قادرة على ملامسة جوهر الوجود، فالمنهج هنا لا يقوم على البرهان الرياضي أو الاستدلال القياسي، إنما يرتكز على ما يسميه هايدغر «الإظهار» أو «الكشف» (Aufweisung).. إن الهدف ليس «إثبات» الوجود عبر الحجج، فالمقصد هو «العرض» وإتاحة الفرصة له ليتجلى بوضوح أمام البصيرة الفلسفية، متجاوزا بذلك حدود التفسيرات العلمية الضيقة.
في قلب هذا المنهج، تبرز الدعوة الشهيرة: «العودة إلى الأشياء ذاتها»، وهي تعني عند هايدغر ضرورة التخلص من كافة المفاهيم المسبقة، والنظريات الجاهزة، والمنظومات التقليدية التي تراكمت عبر التاريخ وشوهت إدراكنا الصافي للأشياء.
إن الفينومينولوجيا في حقل هايدغر عملية «تحرير» للظاهرة، حيث تسعى لوصفها كما تقدم هي نفسها بنفسها، بعيدا عن أي وصاية فكرية أو قوالب ذهنية غريبة عن طبيعتها الأصيلة.
أما «الظاهرة» (Phenomenon) في هذا السياق، فهي تكتسب معنى وجوديا عميقا يختلف عن الفهم الشائع؛ فهي ليست «قشرة» أو مظهرا مخادعا يخفي خلفه حقيقة مستترة، بحكم أنها الشيء نفسه في حالة سطوعه وتجليه، ما ينتهي إلى القول إن الفينومينولوجيا هي محاولة للإمساك بالواقع في ضيقه الخاص وغير القابل للرفض، حيث تصبح الظاهرة هي التجلي الصادق للوجود، وهي الأفق الذي تظهر فيه الأشياء بوضوحها التام وحقيقتها العارية.
التأسيـــس المنهجـي
يؤسس هايدغر فلسفته على تمييز جوهري وحاسم يُعرف بـ «الفرق الأنطولوجي»، وهو الفصل بين الوجود (Sein) والموجود (Seiende)، وهذا مقتضى منهجي لفهم كيفية إدراك العالم؛ فالمستوى «الأنطيقي» (L’ontique) هو الذي ينصبّ على دراسة الكائنات والموجودات كما هي معطاة لنا في الواقع العيني والمباشر، ونتعامل – في هذا المستوى – مع الأشياء كظواهر ملموسة، نحاول جرد خصائصها، وتصنيف أنواعها، وفهم علاقاتها المتبادلة، وهو المجال الذي تتحرك فيه العلوم الطبيعية والاجتماعية عادة.
أما المستوى «الأنطولوجي» (L’ontologique)، فهو ينفذ إلى ما وراء الخصائص العينية للموجودات، ليلامس «بنية الوجود» العميقة، فهو لا يسأل عمّا «يكون» عليه الشيء، هذا ليس مبتغاه، لأن جهده ينصب على مساءلة «الكيفية» التي جعلت من هذا الشيء موجودا من الأساس.
إن البحث الأنطولوجي يسعى وراء الواقع الأكثر تجذرا، أي وراء البنية الأساسية التي تشكل جوهر الكائن وتمنحه هويته الوجودية قبل أن يتحدّد في شكل أو وظيفة معينة.
وفي السياق، يشدد هايدغر على أن الوجود (Être) ليس مجرد «كائن» (Étant) ضخم يضاف إلى قائمة الموجودات، فهو المبدأ الأساسي والمصدر الأول الذي يفيض بالوجود على كل ما هو كائن، فالوجود لا يشبه الشيء في كونه مادة أو أداة، بحكم أنه «النور» أو «الأفق» الذي يتيح للأشياء أن تظهر وتنكشف لنا.. إنه القوة الباطنية والأساس الذي ينسق كل الوجود، دون أن يكون هو نفسه سببا خارجيا أو علة مادية بسيطة، بل هو «الوجود في حد ذاته» بمعناه الأول والأسمى.
يتجلى هذا التمييز في كيفية تعاملنا مع الواقع؛ فبينما يكتفي التوجه الأنطيقي بوصف الكائن كما هو معروض أمامنا، يسعى التوجه الأنطولوجي إلى فهم «الحقيقة» التي تجعل من هذا الكائن ممكنا.. إن كل ما هو أنطولوجي متجذر بالضرورة في ما هو أنطيقي، إذ لا يمكننا الوصول إلى معنى الوجود إلا من خلال «الموجود» (وخاصة الإنسان)، ومع ذلك يظل الوجود هو المؤسس والمبرر لكل واقع عيني نعيشه، ما يخلق علاقة جدلية بين ماهية الشيء وطريقة حضوره في العالم.
«الدازايـن».. الإنسـان فـي ذاتـه
يتبنى هايدغر خيارا منهجيا حاسما لا رجعة فيه، وهو أن أي محاولة لفهم الوجود يجب أن تبدأ من تحليل الكائن الذي يطرح هذا السؤال، أي الإنسان، فالسؤال عن معنى الوجود لا يظهر من تلقاء نفسه في الفراغ، إنما ينبثق من كائن لديه اهتمام خاص بوجوده، وبناء على هذا، يرى هايدغر أن «الأنطولوجيا العامة» (دراسة الوجود) يجب أن تتجذر في «الأنطولوجيا الأساسية» التي تحلل بنية الوجود البشري، إذ لا يمكن العثور على قاعدة ملائمة للبحث الأنطولوجي خارج إطار التجربة الإنسانية الحية.
ويعود السبب الجوهري لهذا الاختيار إلى أن الإنسان، في حدود التجربة، هو الكائن الوحيد الذي يتمتع بصلة «انفتاح» على الوجود؛ فهو لا «يوجد» كما توجد الصخور أو الأشجار، بحكم أنه الكائن الذي يوجه انتباهه نحو الموجودات الأخرى، ويدخل في علاقة معها، ويسائلها عن معناها.. الإنسان هو «المكان» الفريد والوحيد الذي يتجلى فيه فهم الوجود وتتحقق فيه «حقيقته».. وبما أن فهم الوجود هو صفة ملازمة لطبيعة الإنسان، فإن دراسة ماهية الإنسان تصبح شرط وجوب لمعانقة سر الوجود الكلي.
من هنا، يطلق هايدغر مصطلح «الدزاين» (Dasein) أو «الوجود-هنا» لوصف الكائن البشري، معتبرا أن كلمة «هنا» إشارة أنطولوجية تعني أن الإنسان هو المجال الذي يحضر فيه الوجود. إن الوجود البشري عند هايدغر ليس معزولا أو «عقلا خالصا» كما في الفلسفات الديكارتية أو الكانتية، فهو وجود منغرس في العالم بكل أبعاده العملية والعاطفية، وهو ما يجعله المنطلق الضروري والوحيد لجعل بنية الوجود شفافة ومفهومة.
أما أولى الخصائص الجوهرية لهذا «الدزاين» فهي «الذاتية» أو «المِلْكية» (Jemeinig).
فكل وجود إنساني هو وجود «خاص بي» (Mineness)؛ بمعنى أن الوجود هو تجربة فردية فريدة يعيشها كل إنسان بصفة شخصية. وهو ما يجعل الإنسان «ذاتا» (Selbst) متميزة، قادرة على قول «أنا»، ومختلفة جذريا عن «الأشياء» الجامدة التي لا تملك وعيا بذاتها ولا تشعر بعبء وجودها، وهكذا تعني الذاتية أن الإنسان ليس «نسخة» من فئة معينة أو قطعة ضمن تصنيف عام، فهو كيان مُشخّص يواجه مصيره وحده..
إن مفهوم «الذات» عند هايدغر لا يشير إلى «جوهر ثابت» أو مادة نفسية تقبع خلف التغيرات، إنما يسعى إلى استيعاب الكيفية التي يرتبط بها الإنسان بوجوده الخاص، فالإنسان هو المسؤول عن صياغة هويته عبر خياراته، ومن هنا تصبح دراسة «الدزاين» في تجلياته اليومية هي المفتاح لفك شفرة الوجود، لأن ما يفكر فيه الإنسان وما يدركه مرتبط ارتباطا وثيقا بما «هو» عليه في كدحه اليومي.






