ترشيد استهـلاك المياه ودور أساسي فـي استصـلاح الأراضـي
أكد الاجتماع الذي ترأسه، رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وخصص لملف المكننة الفلاحية، التأكيد على أهمية دعم الفلاحين وتطوير الإنتاج الفلاحي الوطني، حيث تقرر إنشاء تعاونيات متخصصة في كراء العتاد الفلاحي لفائدة الفلاحين، بهدف توسيع المساحات المزروعة ورفع مردودية الإنتاج، وذلك تنفيذا لقرارات وتوصيات مجلس الوزراء الأخير.
قال الخبير في التنمية الزراعية أحمد مالحة في تصريح لـ “الشعب” إن الحديث اليوم عن المكننة الفلاحية هو حديث مباشر عن الأمن الغذائي، مؤكدا أن المكننة تعد عمادا أساسيا لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، خاصة في ظل التحديات الراهنة التي يعرفها القطاع الفلاحي.
وأوضح، أن المكننة الفلاحية تتمتع بعدة مزايا هامة، من بينها تمكين الفلاح من إنجاز العمليات الزراعية في الوقت المناسب دون تأخير، وهو ما ينعكس إيجابا على مردودية الإنتاج، كما أكد أنها تساهم في خفض تكاليف الإنتاج، وتقليل الفاقد في المحاصيل الزراعية، سواء أثناء الجني أو النقل أو التخزين أو التحويل والتصنيع.
وأضاف الخبير، أن المكننة تساهم كذلك في ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية، وعلى رأسها المياه، فضلا عن دورها في استصلاح الأراضي غير المزروعة وتحويلها إلى أراض فلاحية منتجة، وهو ما يسمح بتوسيع المساحات الزراعية ورفع الإنتاج الوطني، إضافة إلى تحسين مردودية العمل الفلاحي وتقليص التكاليف، بما يعزّز الأمن الغذائي ويدّعم التنمية في القطاع الزراعي.
وقال مالحة، إن المكننة ضرورية سواء في الزراعات المكثفة أو في المساحات الزراعية الواسعة، خاصة في ولايات الجنوب، حيث يتطلب الأمر استعمال آلات كبيرة مثل الجرارات الضخمة والحصادات ذات السعة العالية، وأضاف أن المكننة الفلاحية تساهم في رفع الإنتاجية وتقليص الجهد والوقت خاصة في الزراعات الواسعة بولايات الجنوب.
وفي هذا السياق، أكد الخبير أن إنشاء تعاونيات فلاحية متخصصة في كراء العتاد الفلاحي بمختلف أنواعه يعدّ خطوة إيجابية وضرورية، مشيرا إلى أن قانون إنشاء التعاونيات الفلاحية صدر منذ ثلاث إلى أربع سنوات، غير أن الفلاحين لا يمكنهم تحقيق قفزة نوعية في الإنتاج دون الانخراط في تعاونيات وجمعيات مهيكلة، سواء كانت تعاونيات خدمات، أو بذور، أو مياه، أو تعاونيات متخصصة في كراء الآلات الفلاحية.
وذكر الخبير، بأن هذا النوع من التعاونيات كان موجودا قبل سنة 1987، أي قبل صدور قانون تقسيم الأراضي، حيث كان الفلاح بإمكانه كراء الآلات لإنجاز عمليات الحرث أو الزرع أو الحصاد ثم إرجاعها بعد الانتهاء، غير أن هذه التجربة تم التخلي عنها رغم نجاحها، وكانت الجزائر آنذاك تتوفر على تعاونيات رائدة في مجال خدمات المكننة.
وأضاف في ذات السياق، أنه من غير المعقول أن يمتلك كل فلاح حصادة أو جرارا، بل يجب أن تكون الآلات ضمن ملكية جماعية لعدة فلاحين من خلال تعاونيات، وهو ما من شأنه تقليص فاتورة استيراد العتاد الفلاحي، حيث تقوم التعاونية بالاستيراد ثم كراء الآلات للفلاحين.
غير أن الإشكال المطروح -بحسب الخبير- يتمثل في نقص العتاد الفلاحي المتوفر حاليا، وهو ما يجعل تفعيل قانون استيراد الآلات والجرارات الفلاحية التي يقل عمرها عن خمس سنوات أمرا ضروريا وبإجراءات مبسطة، حتى يمكن الحديث بجدية عن تعاونيات فلاحية فعالة ترفع من مردودية الإنتاج الوطني وتسمح بتوسيع المساحات المزروعة، خاصة في إطار الهدف المعلن لزراعة ثلاثة ملايين هكتار.
وأوضح مالحة، أن عدم تطبيق هذا القانون هو ما دفع رئيس الجمهورية إلى التدخل، حيث تبين أن قانون الاستيراد موجود لكن لم يتم استيراد أي آلات، بسبب إشكالات تنظيمية، وأضاف أن هذه الإشكالات التنظيمية استدعت التدخل بهدف تسريع التنسيق بين الوزارات المعنية وتفعيل القانون بما يحقق أهدافه.
كما أوضح أن الجزائر كانت تمتلك صناعة وطنية للآلات الفلاحية، على غرار شركة “بياماتي” المختصة في صناعة الجرارات والآلات الفلاحية، غير أن هذا القطاع عرف تراجعا كبيرا، ورغم وجود بعض الخواص الذين ينشطون اليوم في هذا المجال، إلا أن الإنتاج لا يزال محدودا، مما يستدعي -حسب قوله- تشجيع الاستثمار الوطني في صناعة الآلات الفلاحية، خاصة وأن أغلب المعدات، باستثناء الحصادات الكبيرة، يمكن تصنيعها محليا.
وأكد الخبير، أن التعاونيات الفلاحية المتخصصة ضرورة حتمية، داعيا إلى منحها تحفيزات حقيقية، سواء من خلال تسهيلات جبائية، أو تسهيلات في القروض، أو تبسيط إجراءات الاستيراد، لأن الفلاح الفرد لا يمكنه التعامل مباشرة مع الإجراءات الإدارية المعقدة، بينما يمكن للتعاونية أن تقوم بالاستيراد ثم كراء العتاد للفلاحين.
وأضاف، أن تعزيز قدرات هذه التعاونيات يساهم في تحسين جودة الإنتاج وزيادة المردودية، كما يضمن للفلاحين حماية أفضل في مواجهة تقلبات السوق وارتفاع تكاليف الإنتاج، وأوضح أن العمل التعاوني يعزز من تنافسية المنتجات المحلية، ويخلق فرص عمل جديدة، ويشجع الشباب على الانخراط في القطاع الفلاحي بدلا من الهجرة نحو المدن، مما يعزز التنمية في المناطق الريفية
وبخصوص اقتراح إنشاء مجلس وطني للمكننة الفلاحية، أوضح الخبير أن هذا المجلس من شأنه أن يضم مختلف المجالس القطاعية، مثل مجلس المكننة، ومجلس البذور، ومجلس الاستيراد، ويجمع قطاعات الفلاحة، والتجارة، والصناعة، والموارد المائية، إلى جانب المهنيين والباحثين، بما يسمح برؤية شاملة ومنسقة لتحقيق الأمن الغذائي.






