رغم تعاقب السنين وتحوُّل العالم إلى قرية صغيرة بفعل التطور التكنولوجي ثم تأثيرات وسائط التواصل الاجتماعي، بقي المجتمع الجزائري محافظا على أصالته، وهذا بفضل تمسك كثير من العائلات بتقاليد وعادات الأجداد باعتبارها إحدى مكونات الهوية الوطنية فضلا عن اللغة والدين.
من بين العادات التي تشتهر بها ولاية البليدة كغيرها من ولايات الوطن، هو توفير الغذاء لفصل الشتاء أو ما يعرف بـ “العولة”، فبعد جني الغلة في فصلي الصيف والخريف تُحضر النساء بعض الأغذية الأساسية وتوفرها لفصل الشتاء، مثل الكسكسي، المعجون التقليدي والفواكه الجافة والزيتون.
فيما يخص الدقيق فقد كانت العائلات البليدية في السابق تخبئ القمح والشعير في الـ “مطمورة” تنجز تحت الأرض بالحفر، وعند الحاجة يتم اخراج تلك الحبوب المخبأة أي “العولة” لطحنها سواء بطريقة تقليدية بالطاحونة المصنوعة من الحجر أو عن طريق الرحى الميكانيكية.
أما بالنسبة للفواكه فإما تجفف كما هو الحال بالنسبة للتين الذي ينتج بكثرة لا سيما في المناطق الجبلية، أو تُحول إلى معجون كما هو الحال للحمضيات، فالبرتقال ينتج بكثرة في ولاية البليدة بسهل “المتيجة “ وخصوبتها تسمح بتموين ما يقارب 40 بالمائة من الإنتاج الوطني لهذه المادة أو الفاكهة.
ما تقوم به العائلات في البليدة وغيرها يشبه كثيرا ما يقوم به مجتمع النمل الذي يشتغل بنظام عجيب لتوفير غدائه، كما أن فصل الشتاء يشهد أولى أيام الحرث والبذر، وتنطلق أولى عمليات جني المحاصيل في الربيع والصيف ثم الخريف، ولهذا السبب يتم توفير الغذاء لفصل الشتاء الصعب.
هذا الفصل البارد تلائمه بعض الأكلات التي هي في طريقها إلى الاندثار مثل “المخلعة” وهي أكلة تشبه “المحاجب” وتحضر باستخدام شحم الماعز أو الغنم ولها ذوق مميز، وتمتهن بعض العائلات بيعها في المكان المُسمى واد بوسردينة في حمام ملوان الذي يقصدها آلاف السياح شهريا.
ولعل أهم طبق يستهوي البليديين بل الجزائريين في فصل الشتاء، هو طبق “البركوكس” الذي تطلق عليه تسميات مختلفة بمناطق جزائرية أخرى، الذي يفضل الكثير تناوله عندما يكون الجو شديد البرودة، حيث يحضر مع الدجاج بذوق حار، فهو لا يقل شأن على الكسكسي أو طبق “التيشة” المصنعة من الشعير، بل يعتبر أفضل طبق في الشتاء لدى الكثيرين.
ولعل ما يؤكد بأن طبق “البركوكس” هو طبق الشتاء الأسمى، هو ازدهار تحضيره وبيعه في الأسواق الشعبية وفي محلات خاصة تبيع الأكلات التقليدية والأعشاب، وسعره قد يصل إلى 300 دينار للكيلو غرام الواحد، ويباع أيضا في الأماكن السياحية مثل حمام ملوان.
ما لفت انتباهنا هو أن بعض القصابات التي تبيع لحم الدجاج تعرض البركوكس للبيع في مدينة بوعينان، وهذا الطبق متوفر طوال السنة، لكن يكثر تناوله في الشتاء كما كان يفعل السلف يقول بلقاسم سلاخ صاحب قصابة في بوعينان.
يبيع هذا الأخير البركوكس لإحدى النسوة المحترفات في تحضيره باليد وهو الفعل المعروف بالعامية “الفتل” وبالتالي فهو مصدر رزق لكثير من النساء أو بالأحرى الأسر المنتجة كالتي تسترزق من بيع الخبز التقليدي أو الحلويات.
واللافت في الفترة الأخيرة أن بعض المطاحن أو مصانع العجائن أصبحت تنتج البركوكس وتسوقه في السوبيرات والمحلات، لكن يبقى المفتول بأيادي النساء هو الأفضل والأسمى، والذي تنتعش تجارته مع حلول فصل الشتاء.
جدير بالذكر أن بعض المختصين في الطبخ التقليدي يسعون إلى تصنيف بعض الأكلات التقليدية التي تتميز بها ولاية البليدة مثل “المقرونة العمياء” لكن “البركوكس” هو أكلة وطنية بامتياز ولا تحضر فقط في البليدة بل تستهوي كل الجزائريين على حد سواء.






