حطّت قافلة “سفراء الذاكرة” رحالها بدائرة سيدي بوبكر بولاية سعيدة، في مبادرة تهدف إلى ترسيخ الذاكرة الوطنية لدى الأجيال الصاعدة. وجاءت هذه المبادرة بالتنسيق مع مختلف الشركاء والفاعلين في الحقل التاريخي، وبمشاركة سفير الذاكرة لدى المجلس الأعلى للشباب ممثلا لولاية سعيدة، في إطار متابعة النشاطات التاريخية والثقافية الخاصة بقطاع المجاهدين وذوي الحقوق.
احتضنت ثانوية الشّهيد الدكتور يوسف الدمرجي هذا النشاط التاريخي، الذي كان موجّها لفائدة التلاميذ، حيث شهدت المؤسسة مداخلات أكاديمية قدّمها أساتذة مختصّون، إلى جانب شهادات حية لمجاهدين عايشوا وقائع ثورة التحرير المجيدة بالمنطقة، وذلك تحت شعار “لكل دائرة تاريخ وذاكرة”. وخلال مداخلته، أكّد الأستاذ والباحث في التاريخ مرابطي بغداد أن منطقة سيدي بوبكر تعد ملتقى لتاريخ الثورات الشعبية، بداية من مقاومة الأمير عبد القادر، مشيرا إلى أنّ أولى المعارك التي خاضها الأمير بعد تراجعه نحو منطقة سعيدة كانت بمعركة سيدي عيسى يوم 21 أكتوبر 1841، تحت قيادة مصطفى بن تهامي، أحد خلفاء الأمير عبد القادر ومساعديه.
وأوضح المتدخّل أنّ الكتابات الفرنسية أشارت إلى اسم “شاري”، وهو معمر فرنسي كان له دور في اقتراح مسار خط السكة الحديدية الذي يمر عبر سيدي بوبكر، سيدي عمر، سعيدة، منطقة العقبان، خلف الله وبوراشد، وهي مناطق شهدت معارك شرسة ضد جيش الاحتلال، لاحتوائها على قلاع وحصون تاريخية كانت معاقل لجيش الأمير عبد القادر، ما دفع الاستعمار إلى تعزيز الحراسة العسكرية على طول هذا الخط.
كما تطرّق الأستاذ مرابطي إلى المعارك الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال سنة 1843، الممتدة من 28 جوان إلى نوفمبر، والتي سقط فيها الشهيد البطل محمد بن علال خلال معركة “الجعافرة”، مؤكّدا أن كل منطقة من ولاية سعيدة تزخر بتاريخ نضالي حافل، خاصة دائرة سيدي بوبكر التي سجل بها التاريخ استشهاد 280 شهيدا
وفي السياق ذاته، أبرز المتدخّل المكانة التاريخية للشهيد الدكتور يوسف الدمرجي، قائد الصحة العسكرية بالمنطقة السادسة التاريخية، الذي استشهد يوم 19 أوت 1958 بمنطقة تافرنت بسعيدة. وأشار إلى أنّ المنطقة احتضنت أول مدرسة لشبه الطبي خلال الثورة الجزائرية، ساهمت في تكوين الإطارات الطبية وشبه الطبية لدعم المجهود الثوري.
كما كان للدكتور يوسف الدمرجي دور بارز في إنشاء مستشفيات ميدانية لعلاج جرحى حرب التحرير وأبناء القرى والمداشر، إضافة إلى توليد النساء، وربط علاقات مع أطباء فرنسيين مؤيدين للثورة، على غرار الطبيب “كلود ستيفان”، ما ساهم في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية. وأمام هذا النشاط المكثف، أصبح الشهيد محل متابعة من طرف الاستعمار الفرنسي إلى غاية اغتياله واستشهاده في ميدان الشرف، كما كان يتمنى.
واختتمت النّدوة بالتأكيد على الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لمنطقة سيدي بوبكر، التي ما تزال تحمل الكثير من الأسرار التاريخية، ما يستدعي تعميق البحث الأكاديمي لتلقين أجيال الغد عظمة الثورة الجزائرية وصناعها من رجال ونساء وأطفال، الذين نطقوا جميعا بحياة الجزائر حرّة، أبيّة ومستقلّة.






