معالجة الغموض أو التعارض الذي قد يظهر عند التطبيق الفعلي لبعض الأحكام
حماية أفضل للحقوق والحريات دون المساس بالمواد الجوهرية
بلمهدي لـ «الشعب»: تعزيز فعالية السلطة القضائية والتشريعية بما ينسجم مع روح الدستور وأهدافه الإصلاحية
جاءت المبادرة الأخيرة المتعلقة بالتعديل التقني لدستور الفاتح من نوفمبر 2020، والتي عرضها مدير ديوان رئاسة الجمهورية بوعلام بوعلام، من خلال عشرة اقتراحات تقنية تهدف أساسا إلى تعزيز فعالية السلطات والمؤسسات الدستورية وتحسين أدائها وضمان حماية أفضل للحقوق والحريات دون المساس بالمواد الجوهرية التي يقوم عليها الدستور الجزائري.
وأوضح مدير ديوان رئاسة الجمهورية أن هذه التعديلات تندرج ضمن منطق التمكين الدستوري باعتبار أن النص الدستوري لا يكتمل عند صدوره، بل يخضع بطبيعته إلى التقييم المستمر على ضوء الممارسة الميدانية وهو ما يجعل التعديل التقني أداة قانونية لمعالجة الغموض أو التعارض الذي قد يظهر عند التطبيق الفعلي لبعض الأحكام.
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور بلمهدي عمار أستاذ القانون الدستوري في تصريح لـ»الشعب» أن التعديل التقني يختلف جذريا عن التعديل الجوهري، سواء من حيث الطبيعة أو من حيث الآليات، موضحا أن التعديلات الجوهرية وحدها هي التي تستوجب اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي لأنها تمس العقد الاجتماعي الذي يشكل جوهر الدستور.
ويضيف بلمهدي أن الدستور لا يمكن اختزاله في مجموعة مواد مكتوبة فقط، بل هو تعبير عن توافق تاريخي وسياسي واجتماعي تشكل عبر مسار طويل، وفي الجزائر بدأ مع بيان أول نوفمبر وتكرس عبر مختلف المراحل اللاحقة، وهو ما يجعل عناصر مثل الهوية الوطنية والسيادة الوطنية والدور الاجتماعي للدولة ورموزها خطوطا حمراء لا يمكن تعديلها إلا بالعودة المباشرة إلى الشعب الجزائري.
أما التفاصيل التقنية المرتبطة بتنظيم عمل السلطات التشريعية والقضائية أو ضبط بعض الإجراءات المؤسساتية، فإن إخضاعها للاستفتاء في كل مرة يعد أمرا غير مبرر من الناحية الدستورية، ولا يخدم استقرار النظام القانوني بل قد يؤدي إلى شلل مؤسساتي غير مبرر.
وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ بلمهدي أن التعديلات المقترحة حاليا جاءت بعد خمس سنوات من ممارسة دستور 2020، حيث أبان التطبيق العملي عن وجود بعض الصعوبات والاختلالات التقنية التي تتطلب المعالجة من أجل تحسين أداء المؤسسات وتجاوز بعض القيود البيروقراطية وتعزيز فعالية السلطة القضائية والتشريعية، بما ينسجم مع روح الدستور وأهدافه الإصلاحية.
كما أن هذه التعديلات لم تأت بمعزل عن الفاعلين السياسيين بل جاءت نتيجة تقييمات متعددة عبرت عنها الأحزاب السياسية خلال مختلف الاستشارات الانتخابية وأدرجتها السلطات في تقاريرها الرسمية، وهو ما يعكس اعتماد منهج تشاركي قائم على الاستماع والتصحيح بدل الفرض أو الانفراد بالقرار.
وفي سياق متصل، ثمنت الأحزاب السياسية المشاركة في الندوة الوطنية حول التعديل التقني للدستور، حيث تم اعتبار أن هذه المبادرة والمقترحات المعروضة لا تمس جوهر الدستور بل تندرج ضمن إصلاحات آنية ومطلوبة لتحسين الحوكمة المؤسساتية وتعزيز المسار الديمقراطي وترسيخ ثقافة الحوار والتشاور بين السلطات العمومية والتشكيلات السياسية.
وبالتالي، يؤكد خبراء القانون الدستوري أن التعديلات التقنية المقترحة إذا قرأت خارج سياقها القانوني والمؤسساتي قد يؤدي إلى استنتاجات خاطئة لا تستند إلى أسس دستورية سليمة، فالمبادرة المطروحة لا تهدف إلى إعادة صياغة الدستور، وإنما ترمي إلى تجويد النص وتحسين قابلية تطبيقه، بما يخدم استقرار الدولة وفعالية مؤسساتها ويكرس في الوقت ذاته فهما ناضجا للدستور باعتباره نصا حيا يتطور بالتقييم والتكييف لا بالمساس بالثوابت.



