مقاربــة متكاملــة ومتعددة القطاعـات قائمة علـى الحقوق
تم، أمس بالعاصمة، تقديم تقرير حول نتائج مشروع «دعم جهود الاستجابة الجزائرية في مكافحة العنف ضد المرأة والفتيات»، وذلك بمناسبة اختتام المرحلة الثانية منه، حيث شدّد المتدخلون على أن الجزائر سجلت تقدما ملحوظا في مجال حماية المرأة من مختلف أشكال العنف الممارس ضدها، انسجاما مع توجيهات رئيس الجمهورية، التي تؤكد أن صون كرامة المرأة واجب أخلاقي وخيار مجتمعي واستثمار في مستقبل أكثر عدلا وإنصافا، وليس مجرد التزام قانوني أو دستوري.
أوضح فتحي مترف، ممثل وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أن المشروع الذي ينفذه صندوق الأمم المتحدة للسكان ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في الجزائر، بدعم من سفارة مملكة هولندا بالجزائر، جاء منسجما تماما مع الديناميكية الوطنية التي أبانت عنها الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، بإرادة راسخة لتعزيز ترسانتها القانونية والمؤسساتية والعملية، من أجل الوقاية من جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات، ومعاقبة مرتكبيها والقضاء عليها، من خلال دعم وتعزيز الآليات القائمة، في إطار شراكة قائمة على الاستدامة والتملك الوطني.
وكشف مترف أن تنفيذ المرحلة الثانية من هذا المشروع، خلال الفترة 2023–2025، اعتمد مقاربة متكاملة ومتعددة القطاعات، قائمة على الحقوق، حددت هدفا مركزيا يتمثل في تحسين الاستجابة المؤسسية للعنف ضد النساء والفتيات، لاسيما على مستوى التكفل القضائي والصحي والنفسي-الاجتماعي، عبر تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين.
وفي هذا السياق، ثمّن المتحدث تمكن المشروع من تعبئة فعالة لعشر مؤسسات وطنية، من بينها قطاعات العدل، والأمن، والصحة، والتضامن الوطني، والاتصال، والشؤون الدينية، والمجتمع المدني، والبحث العلمي. وترجمت هذه التعبئة بإنشاء لجنة تنسيق متعددة القطاعات تجتمع بانتظام، وأسهمت في ضمان تنسيق مستمر ومنهجي بين مختلف المتدخلين.
وفي الوقت ذاته، خُصص جهد معتبر لتعزيز القدرات البشرية، باعتبارها حجر الزاوية لأي استجابة فعالة. وفي هذا الإطار، استفاد 297 مهنيًا من قطاعي الصحة وسلسلة العدالة الجنائية من تكوينات متخصصة، شملت تقنيات المقابلة المعرفية، وتحليل سلوك مرتكبي العنف، وتوحيد واستغلال قواعد البيانات، والتكفل السريري بالناجيات. وقد شملت هذه التكوينات مشاركين من أكثر من 38 ولاية، بما يعكس الحرص على التغطية الترابية والعدالة في الوصول إلى تنمية الكفاءات.
وأبرز ممثل وزارة الخارجية أهم إنجازات هذه المرحلة الثانية، والمتمثلة في إعداد أدوات تقنية مرجعية تهدف إلى تعزيز جودة وتناسق وتوحيد التدخلات، وتحسين آليات الاستقبال والاستماع والتوجيه والتكفل بالناجيات، مع احترام كرامتهن وأمنهن وحقوقهن.
وعلى صعيد آخر، أشار مترف إلى أن المشروع أولى أهمية خاصة لدور الإعلام والاتصال، من خلال تنظيم يوم دراسي خُصص للمعالجة الإعلامية لقضايا العنف ضد النساء والفتيات، في إطار الحملة الدولية «16 يوما من النشاط». وقد أسهمت هذه المبادرة في تعزيز فهم القضايا الأخلاقية والقانونية والاجتماعية المرتبطة بالتغطية الإعلامية، والتشجيع على خطاب إعلامي مسؤول يحترم الضحايا.
كما تم إدماج الدور المحوري للأئمة والمرشدات الدينيات في مجال الوقاية، حيث نُظمت أيام تحسيسية بالشراكة بين وزارة الشؤون الدينية وصندوق الأمم المتحدة للسكان، سمحت بتعبئة الفاعلين الدينيين حول رسائل قائمة على قيم الاحترام والكرامة الإنسانية والعدل، بما يسهم في الوقاية من هذه الظاهرة عبر الخطاب الديني والتوجيه الأخلاقي ومرافقة المجتمع.
من جهتها، قالت آن لوفيما، سفيرة مملكة هولندا بالجزائر، إن العنف الممارس ضد النساء والفتيات هو انعكاس لاختلالات هيكلية واجتماعية وتمييزية، ما يستدعي استجابات منسقة ومستدامة. وأوضحت أن دعم هولندا لهذا المشروع يندرج في هذا الإطار، ويتجاوز المقاربات القطاعية الضيقة، وينسجم تماما مع الرؤية الهولندية القائمة على الإدماج المنهجي لمبدأ المساواة بين الجنسين في السياسات العمومية، والأطر المؤسساتية، والممارسات المهنية.
وأكدت أن المشروع يجمع بين الوقاية، وتعزيز القدرات المؤسساتية، وتحسين التنسيق بين القطاعات، والتكفل بالناجيات، إلى جانب العمل على تغيير الأعراف الاجتماعية التي تكرّس العنف، منوهة بأن المصادقة على الإجراءات التشغيلية والبروتوكولات متعددة القطاعات تمثل خطوة بالغة الأهمية، تعكس إرادة مشتركة لترسيخ هذه المقاربات في السياسات العمومية وفي الإطار القانوني القائم، كما تشكل رافعة أساسية لضمان استمرارية الآليات التي تم إرساؤها، والتأكد من أن المكاسب المحققة ستتواصل بعد انتهاء مدة المشروع.
ومن الجوانب المميزة في هذا المشروع أيضا، التعاون الواسع بين العديد من الشركاء، بما في ذلك داخل منظومة الأمم المتحدة. واعتبرت السفيرة أن هذا النوع من التعاون يحظى بأهمية كبيرة بالنسبة لهولندا، معربة عن ارتياحها لمستوى التنسيق القائم بين هيئات الأمم المتحدة المعنية، وكيفية عملها بشكل تكاملي، مشددة على أنه لا يمكن اعتبار أي مشروع ناجحا بالكامل إلا إذا تم تملّكه تدريجيا من قبل الفاعلين الوطنيين والمحليين. ولهذا تولي هولندا أهمية خاصة لإدماج المقاربات المطوّرة ضمن الاستراتيجيات الوطنية، والحفاظ على الحوار بين المؤسسات العمومية والمجتمع المدني.
وشجعت على مواصلة هذا التعاون من أجل تثبيت المكتسبات وتحديد آفاق جديدة للعمل، معتبرة أن البروتوكولات التي تم إعدادها تشكل خطوة أولى ممتازة، وأن المسؤولية تقع اليوم على عاتق جميع الشركاء لتجسيد هذه الخطط ميدانيا داخل مراكز الشرطة، والمحاكم، وسائر المؤسسات المعنية.
بدورها، أكدت فايزة بن دريس، رئيسة مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان بالجزائر، أن هذا المشروع المشترك بين مختلف القطاعات والهيئات الجزائرية، ومكتب برنامج الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان بالجزائر، تحت عنوان «دعم الاستجابة الجزائرية للعنف ضد النساء والفتيات»، يعكس حرص الدولة الجزائرية على تعزيز مكافحة جميع أشكال العنف ضد المرأة والفتيات، تماشيا مع توجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون.
وأوضحت أن العنف ضد النساء والفتيات يُعد من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان، لما يخلفه من انعكاسات سلبية خطيرة على رفاهية الضحايا، والعواقب الصحية والمعاناة النفسية، كما يحرمهن من المشاركة الكاملة في المجتمع، وهو ما يؤثر سلبا على نوعية حياتهن وعلى أسرهن، وبالتالي على مسار التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.



