محطات الطاقة الشمسية توفّر ملايين الأمتار المكعبة من الغاز
استثمار ذكي للحزام الشمسي الجزائري باعتماد التكنولوجيا
الجنوب الجزائري مؤهّل لتموين أوروبا بالكهرباء النظيفة
يرى الباحث في الطاقات المتجدّدة، الدكتور عيسى مفلاح، أنّ الإعلان عن قرب استلام مشروعين ضخمين للطاقة الكهروضوئية في كل من ولايتي المغير (الغروس) وبسكرة (تندلة)، خلال شهر جانفي الجاري، بطاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى 400 ميغاوات، إعلانٌ رسميٌ عن دخول الجزائر حقبة «التصنيع الطاقوي المتجدّد»، وفق المعايير الدولية الحديثة.
«الشّعب»: ما هي القيمة العلمية والتقنية لإضافة 400 ميغاواط للشبكة الوطنية في هذا التوقيت؟
الباحث في الطاقات المتجدّدة، الدكتور عيسى مفلاح: من المنظور الهندسي والبحثي، تعتبر إضافة 400 ميغاواط دفعة واحدة إلى الشبكة الكهربائية الوطنية إنجازا تقنيا وازنا، خاصة عند النظر إلى الخصائص الجيوفيزيائية للمواقع المختارة، فمنطقتا «الغروس» و»تندلة» تقعان ضمن الحزام الشمسي الأكثر كفاءة في العالم، حيث تشير بيانات الأطلس الشمسي الجزائري، إلى أنّ معدل الإشعاع الشمسي المباشر في هذه المناطق يتجاوز القيمة المعيارية المطلوبة للمردودية الاقتصادية، ما يضمن ساعات تشغيل ذروة تفوق المعدلات العالمية تقنيا، ويعد ضخّ هذه الكمية من الطاقة النظيفة تحسينا مباشرا في مؤشّرات استقرار الشبكة الوطنية، خاصة إذا كانت هذه المحطات ستعتمد على أحدث تكنولوجيات العواكس الذكية والألواح الكهروضوئية عالية الكفاءة والجودة، فإنّ هذا سيؤدي إلى تخفيف الحمل عن محطات التوربينات الغازية، لاسيما خلال فترات الظهيرة التي تشهد ذروة الطلب الطاقوي، ممّا يرفع من جودة التردّد الكهربائي ويقلّل من الفواقد التقنية في خطوط النقل، وهو ما يترجم علميا إلى شبكة أكثر مرونة وموثوقية في مجابهة الطلب المتزايد.
كيف ينعكس هذا المشروع بلغة الأرقام على الاقتصاد الوطني واحتياطيات الغاز؟
تكمن الأهمية القصوى لهذا المشروع في معادلة «استبدال الطاقة»، حيث يُنظر اقتصاديا لكل كيلوواط ساعي شمسي منتج على أنه كمية مكافئة من الغاز الطبيعي تم توفيرها وتخزينها، ووفقا للحسابات الدقيقة لمردودية المحطات الكهروضوئية في الجنوب الجزائري، فإنّ إنتاج 400 ميغاواط سيوفّر إنتاجا سنويا ضخما من الكهرباء، وهو ما يعادل تجنيب حرق كميات معتبرة من الغاز الطبيعي في المحطات التقليدية، تقدّر بملايين الأمتار المكعبة سنويا، هذا الوفر الغازي، يكتسي أهمية استراتيجية بالغة، إذ يتم توجيهه مباشرة إمّا لتعزيز قدرات التصدير في ظلّ الأسواق العالمية المتعطّشة للطاقة، ما يدر عملة صعبة إضافية للخزينة العمومية، أو يتم تحويله للصناعات البتروكيماوية لإنتاج قيمة مضافة عالية، وبذلك فإنّ الجدوى الاقتصادية لهذه المحطات تتجاوز مجرّد بيع الكهرباء، لتصل إلى حماية الثروة الأحفورية للأجيال القادمة، وتقليص فاتورة التشغيل الداخلية لشركة سونلغاز بشكل ملموس.
ما هو الأثر البيئي والاجتماعي لهذه المحطات في سياق التزامات الجزائر المناخية؟
يأتي تدشين محطتي المغير وبسكرة كترجمة فعلية لالتزامات الجزائر الدولية بخفض بصمتها الكربونية، وتماشيا مع المساهمات المحدّدة وطنيا في إطار الاتفاقيات المناخية، وبيئيا سيعمل هذا المشروع الضخم كـ»رئة خضراء» للمنظومة الصناعية، حيث سيحول دون انبعاث مئات الآلاف من أطنان ثاني أكسيد الكربون سنويا، ممّا يساهم بفعالية في مكافحة الاحتباس الحراري ويعزّز تصنيف الجزائر في مؤشّرات التنمية المستدامة.
أمّا على الصعيد الاجتماعي، فمن المتوقّع أن تُحدث هذه المشاريع ديناميكية تنموية حقيقية في مناطق الهضاب والجنوب، حيث ستساهم ورشات الإنجاز ثم فرق التشغيل والصيانة، في خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة للكفاءات المحلية، ممّا يدعم سياسة تثبيت السكان وتنمية مناطق الظل، كما أنّ وجود منشآت طاقوية حديثة بهذا الحجم يفتح الباب واسعا أمام الباحثين والطلبة في الجامعات المجاورة للاحتكاك بالتكنولوجيا المتقدمة، ممّا يؤسّس لقاعدة معرفية وطنية صلبة.
كيف يتم التعامل مع التحديات الطبيعية القاسية، التي تواجهها التكنولوجيا في هذه المناطق؟
كباحثين، ندرك جيّدا أنّ البيئة الصّحراوية وشبه الصّحراوية تفرض تحديات تقنية معقّدة، أبرزها ظاهرة تراكم الرّمال والغبار على الألواح الشمسية، بالإضافة إلى الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، الذي قد يؤثر سلبا على مردودية الخلايا الكهروضوئية، لذلك يجب أن تكون الهندسة التفصيلية لهذه المحطات الجديدة قد أخذت هذه العوامل بعين الاعتبار بدقة متناهية، حيث يجب تزويد المحطات بأنظمة تنظيف آلية ذكية، لا تعتمد على المياه للحفاظ على الموارد المائية الثمينة في المنطقة، وتعمل ببرمجيات تستشعر انخفاض الكفاءة لتقوم بالتنظيف الفوري، ومن المفروض أيضا أن يتم اعتماد ألواح شمسية ذات معاملات حرارية منخفضة، مصمّمة خصيصاً للعمل بكفاءة عالية، حتى في أشد الظروف المناخية قساوة، ممّا يضمن استمرارية الإنتاج وطول العمر الافتراضي للمحطة الذي يناهز ربع قرن.
في رأيكم، ما هي الآفاق المستقبلية لهذا الإنجاز، ضمن استراتيجية 2035 والهيدروجين الأخضر؟
يعد دخول محطتي الغروس وتندلة حيّز الخدمة في مطلع 2026، حجر الزاوية الذي يؤكّد أنّ الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق هدف 15000 ميغاواط بحلول عام 2035، هذا الإنجاز يؤسّس لمرحلة جديدة تتّسم بالاعتماد على «المحتوى المحلي»، حيث شهدت هذه المشاريع إدماجا معتبرا للمكونات المصنّعة وطنيا، من كوابل وهياكل وتركيبات، ممّا يعزّز السّيادة الصناعية، والأهم من ذلك، أنّ وفرة الطاقة الكهربائية النظيفة المتأتية من هذه المحطات ومثيلاتها المستقبلية، هي الشرط الأساسي والمسبق لإطلاق مشاريع الهيدروجين الأخضر الطموحة، التي تسعى الجزائر لتصديرها نحو أوروبا، فلا يمكن إنتاج هيدروجين أخضر وتنافسي دون وجود فائض كبير ورخيص من الكهرباء الشمسية، وبالتالي، فإنّ ما نشهده اليوم في بسكرة والمغير هو وضع اللبنات الأساسية لمستقبل الجزائر كفاعل رئيسي في سوق الطاقة العالمية النظيفة، ومورد موثوق للطاقة المتجدّدة نحو الضفة الشمالية للمتوسّط، كما أنّ هذه المشاريع تفتح آفاقا واسعة لخلق مناصب شغل محلية، سواء خلال مراحل الإنجاز أو الاستغلال والصيانة، إلى جانب تطوير الخبرات الوطنية ونقل التكنولوجيا في مجال الطاقات المتجدّدة، وهي خطوة عملية نحو تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص التبعية للمحروقات، مع الحفاظ على البيئة وتقليل الانبعاثات الكربونية، وبهذا لا تقتصر أهمية هذه المحطات على إنتاج الكهرباء فقط، بل تمتد لتشكّل رافعة حقيقية تدعم الأمن الطاقوي.
كلمة أخيرة بخصوص المشاريع المنجزة؟
لا يمكن قراءة تدشين 400 ميغاواط من الطاقة الشمسية في الجنوب الجزائري كحدث تقني معزول، بل كمنعطف استراتيجي يعكس انتقال الجزائر من مرحلة التخطيط والتعهّدات إلى مرحلة التجسيد الميداني القائم على العلم والنجاعة الاقتصادية، فهذا الإنجاز يعكس الرؤية السياسية مع الخبرة الهندسية، ويؤكّد أنّ الطاقات المتجدّدة لم تعد خيارا مستقبليا مؤجّلا، بل أصبحت ركيزة فعلية للأمن الطاقوي والتنمية المستدامة.







