أمام التحوّلات الجذرية المتسارعة المخيّمة على سوق الطاقة العالمية، تبرز الجزائر كفاعل طاقوي يسعى بثبات إلى إعادة تموقعه التصديري باحترافية ورؤية متبصّرة، عبر تعزيز قيمة مشتقات النفط وتوسيع خارطة تسويقها نحو أسواق خارجية جديدة.. وتأتي هذه الديناميكية في إطار رؤية اقتصادية تقوم على تنويع الصادرات، وتحقيق نجاعة أكبر في استغلال الموارد، ورفع مردودية القطاع الطاقوي الاستراتيجي.
انطلقت الجزائر، عبر العملاق سوناطراك، من تصدير الخام إلى تكثيف جهود تثمين المشتقات، رغم أنّ النفط شكّل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني، غير أنّ المقاربة الجديدة للسياسة التصديرية الجزائرية، تتّجه بوضوح نحو تثمين المشتقات النفطية، باعتبارها منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، وقدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الدولية، فالمصافي الوطنية، بعد برامج التحديث والتوسعة، أصبحت قادرة على تلبية الطلب المحلي، وتوجيه فائض معتبر من الوقود وزيوت التشحيم، إلى جانب المواد البتروكيميائية، نحو التصدير، ما يعكس تحوّلا نوعيا في الخيارات الطاقوية.
وتعتمد السياسة التصديرية الحالية على مزيج من المرونة التجارية، تحسين جودة المنتجات، وتوسيع الشراكات الدولية، وقد سمح هذا التوجّه بفتح قنوات تصدير جديدة، خاصة نحو الأسواق الإفريقية، المتوسطية، وبعض الدول الآسيوية التي تشهد طلبا متزايدا على مشتقات النفط، ومؤخّرا صدّرت الجزائر إلى دول عربية مثل تونس وسلطنة عمان.
كلفة النقل عامل حاسم
ساهم اعتماد مقاربة أكثر احترافية في التفاوض، وتحسين شروط النقل والتخزين، في تعزيز تنافسية المنتج الجزائري مقارنة بمنتجين تقليديّين، خاصة في ظل القرب الجغرافي من أوروبا وإفريقيا.
ويشكّل الموقع الجغرافي للجزائر أحد أبرز عوامل القوة والنجاح في سياستها التصديرية، إذ بفضل واجهتها المتوسطية، وشبكة الموانئ وخطوط الأنابيب، يتمتّع أكبر بلد إفريقي بقدرة لوجستية مهمة تسهّل وصول مشتقّات النفط إلى الأسواق الخارجية بسرعة وتكلفة أقل، فعندما تمّ الشروع في استثمار هذا الامتياز الجغرافي بفعالية، منح الجزائر أفضلية تنافسية في ظرف أصبحت فيه كلفة النقل عاملا حاسما في تحديد وجهات التزوّد بالطاقة.
ولقد أدركت الجزائر مبكّرا أنّ الاعتماد على أسواق تقليدية بعينها لم يعد خيارا آمنا، في عالم أسواقه لا تهدأ وتشهد اضطرابا. لذلك، ارتكزت السياسة التصديرية على تنويع الشركاء والأسواق، وتقليص المخاطر المرتبطة بتقلّبات الطلب أو التوترات الجيوسياسية.
ويلاحظ حاليا توجّه متزايد نحو القارة الإفريقية، التي تمثل سوقا واعدة لمشتقات النفط، بالنظر إلى النمو الديمغرافي، والحاجة المتزايدة للطاقة، وضعف القدرات التكريرية في عدد من الدول، ورغم انتمائها لقطاع المحروقات، إلا أنّ مشتقات النفط تمثل جسرا عمليا نحو تنويع الصادرات، لما توفّره من فرص لتطوير الصناعات البتروكيميائية، وخلق سلاسل قيمة مرتبطة بالنقل، التخزين، والخدمات الصناعية.. في هذا السياق، لا يُنظر إلى التصدير كعملية بيع فقط، بل كمنظومة اقتصادية متكاملة تخلق مناصب شغل، وتحفّز الاستثمار، وتدعم ميزان المدفوعات.
رؤيـــة واضحـة..
تشير المعطيات الحالية إلى أنّ الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كمورّد موثوق لمشتقات النفط، في الفضاءين الإقليمي والدولي. فمع استمرار تحديث البنية التحتية، وتعزيز الحوكمة في القطاع، والانفتاح على شراكات ذكية، تبدو آفاق التوسّع التصديري أكثر وضوحا، ولا يقتصر هذا الطموح على رفع الكميات، بل يمتد إلى ضمان استمراريّته، ومواكبته للمعايير البيئية والتقنية المعتمدة عالميا.
وتؤكّد التجربة الراهنة أنّ السياسة التصديرية الجزائرية لمشتقات النفط لم تعد خيارا ظرفيا، بل توجّها استراتيجيا مدروسا، يوازن بين استغلال الموارد، وتثمينها، وضمان حضور دائم في الأسواق الخارجية.
وبين الرؤية الواضحة والإمكانات المتاحة، تمتلك الجزائر اليوم كل المقوّمات لتصبح لاعبا محوريا في تسويق مشتقات النفط، ليس فقط كمصدّر للطاقة، بل كقوة اقتصادية صاعدة تعرف كيف تحسّن إدارة ثرواتها.
إنّ سوناطراك لا تعيد رسم خريطة الصادرات فقط، إنما تعيد ترسيخ دورها داخل سوق طاقة عالمية تتغيّر بسرعة، حيث لم يعد النفط وحده هو الرّهان، بل كيفية إنتاجه وتسويقه وموقعه في معادلة الاستدامة. وفي كل مرّة تتّسع قائمة المستوردين للنفط الجزائري وتضم العديد من البلدان، من بينها عربية وآسياوية وأمريكية مع حفاظ الجزائر على أسواقها الكبيرة في القارة الأوروبية.
وتعكس مؤشّرات التصدير، أن تتجه بثبات نحو بناء سياسة تصديرية أكثر نجاعة ومرونة، ترتكز على تنويع الأسواق، تثمين المشتقات، وتعزيز الشراكات الإستراتيجية. ورغم التحديات المرتبطة بتقلبات السوق العالمية، تؤكّد الأرقام أنّ النفط الجزائري لا يزال يحظى بثقة كبرى الاقتصادات، ما يمنح البلاد هامشا أوسع لترسيخ مكانتها كمصدّر موثوق وطويل المدى.
ويُعد الشروع في الإنتاج التجاري للبنزين منخفض الانبعاثات E5، من مصفاة أوغوستا بجزيرة صقلية الإيطالية، في سياق التحوّلات العميقة التي يشهدها سوق الطاقة الأوروبي، حيث بات الإمتثال للمعايير البيئية الصارمة عاملا حاسما في تنافسية المصافي واستدامة نشاطها. ويعكس هذا التوجّه قدرة سوناطراك على تكييف منشآتها الصناعية مع متطلّبات الانتقال الطاقوي، وتقليص البصمة الكربونية للمنتجات الموجّهة للسوق الأوروبية، بما يعزّز تموقعها كشريك طاقوي موثوق ومسؤول، في فضاء يشهد تشديدا متزايدا على مدى احترام المعايير البيئية.






