تجريم الاستعمار..موقـــف إنســاني وواجـب قانونـي
في توطئة إبستمولوجية عميقة للعدد الثاني والأربعين من مجلّة “الفكر البرلماني” التي يصدرها مجلس الأمّة، سجّل البروفيسور مخلوف ساحل أنّ الجزائر شهدت “واحدة من أطول وأعنف وأشرس الحملات الاستعمارية في التاريخ المعاصر”، وقال الاحتلال الفرنسي “اتخذ طابعا استيطانيا احتلاليا واستدماريا هدفه تفكيك البنية الاجتماعية الجزائرية، ومحو الهوية الوطنية، والاستيلاء على الأرض والموارد بهدف استئصال كل ما هو جزائري، وتجذير الوجود الفرنسي الأوروبي بمختلف أبعاده” بديلا له، وقال نائب رئيس مجلس الأمة، إنّ السياسات التفكيكية الممنهجة، ترتب عنها سلسلة من الجرائم المنظمة التي بدأت مع الساعات الأولى للغزو، واستمرت إلى غاية استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962”.
وجاءت توطئة البروفيسور ساحل مرافعة فكرية قانونية، تناول فيها جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر (1830-1962). من خلال تشريح منظومة “الاستدمار” التي حاولت اجتثاث الهوية الجزائرية، ليؤكّد أنّ الذاكرة الوطنية تظل حجر الزاوية في بناء “الجزائر الجديدة”.
الطّبيعة الوجودية للاستعمار..
يستهل البروفيسور ساحل طرحه بتأطير تاريخي يبرز استثنائية الحالة الجزائرية، ويؤكّد أنّ ما تعرّضت له الجزائر يصنّف في أعنف الحالات التاريخية للاستعمار وأكثرها دموية، حيث يذكر أنّ الجزائر “شهدت منذ سنة 1830 وإلى غاية 1962 واحدة من أطول وأعنف وأشرس الحملات الاستعمارية في التاريخ المعاصر”، وهو ما يعكس عمق المأساة التي تجاوزت القرن من الزمن، إذ لم تكن الأهداف الفرنسية مقتصرة على التّوسّع الجغرافي، إنما قصدت لأن تكون حملة شاملة تستهدف تقويض أركان الدولة والمجتمع بشكل جذري.
وفي تشريحه لأهداف الحملة الاستعمارية الغاشمة، يوضّح البروفيسور ساحل أنّها تجاوزت المفاهيم التقليدية للإدارة السياسية، بحكم أنها كانت تهدف إلى عملية هدم ممنهجة للبناء المجتمعي، فيقول: “لم يقتصر الاحتلال الفرنسي على السيطرة السياسية والعسكرية، بل اتخذ طابعا استيطانيا احتلاليا واستدماريا هدفه تفكيك البنية الاجتماعية الجزائرية”، وقد يكون واضحا أنّ استخدام مصطلح “الاستدمار” هنا يعد مفتاحا لفهم السياسة الفرنسية التي لم تسعَ للبناء أو التطوير، إنما جعلت جهودها وقفا على “محو الهوية الجزائرية” وتفتيت الروابط التي تجمع الجزائريين، محوّلة الأرض والموارد إلى غنائم لخدمة المشروع الاستيطاني.
وفي تحليل أعمق لغايات المحتل، يوضّح البروفيسور ساحل أن العقيدة الاستعمارية قامت على فكرة الإحلال والتبديل، أي محاولة تعويض الأصيل بالدخيل عبر قوة الحديد والنار، ويتجلى ذلك في سعي الاستعمار الغاشم إلى “استئصال كل ما هو جزائري وتجذير بدله الوجود الفرنسي الأوروبي بمختلف أبعاده”، ما يعني أن هذه الاستراتيجية التوسعية جعلت من المقاومة الجزائرية ضرورة حتمية، فالمواجهة كانت “صراع وجود” دائم للدفاع عن الذات والهوية، أمام منظومة استعمارية جنّدت كل إمكاناتها لتغيير وجه التاريخ والجغرافيا في الجزائر.
استراتيجية “الأرض المحروقة”..العنف منهج أوّل
يذهب البروفيسور ساحل في تحليله إلى ما هو أبعد من رصد الانتهاكات، حيث يصف الإجرام الفرنسي بأنّه كان فعلا “منظّما” وخاضعا لتخطيط مسبق، ولم يكن تجاوزات ميدانية معزولة، فهو يؤكد أن هذا المسار الدموي لم يتراخَ يوما، فقد كان سلسلة من الجرائم المنظمة التي بدأت مع الساعات الأولى للغزو، واستمرت إلى غاية استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962. ما يضع المحتل أمام مسؤولية تاريخية عن قرن وثلث القرن من التنكيل الممنهج الذي تحول إلى عقيدة إبادة شاملة، فالبروفيسور ساحل يربط بين البداية الجغرافية للاحتلال وبين انطلاق أولى فصول المأساة الإنسانية، مشيرا إلى أن التدخل الفرنسي اقترن منذ خطوته الأولى بالعنف المفرط، ويوضّح أن سياسة الأرض المحروقة تعد أول فصول السياسة الاستعمارية في الجزائر، حيث بدأت الجرائم منذ اللحظة الأولى لإنزال القوات الفرنسية في سيدي فرج، ما يثبت أن عقلية التدمير كانت هي المحرك الأساسي للحملة، وأن “الاستعمار” في الجزائر ولد من رحم “الجريمة”، وذكر البروفيسور ساحل أن جنرالات فرنسا، خاصة منهم بيجو (Bugeaud) راهن على “سياسة الأرض المحروقة” التي شملت حرق القرى والمحاصيل، وتدمير مخازن الحبوب، وتجريف الواحات، وتهجير القبائل بأكملها، وقد رافق ذلك – يواصل البروفيسور ساحل – ارتكاب أولى مظاهر جريمة الإبادة الجماعية التي لم تكن معرفة بعد دوليا، لتشمل فعل التقتيل الجماعي للمدنيين في مناطق مختلفة من البلاد، أبرزها مجازر متيجة والأطلس البليدي، وأضاف ساحل أنّ “من أبشع صور الجرائم المقترفة ضد الشعب الجزائري في هذه المرحلة عمليات الإبادة داخل الكهوف أو ما عُرف بمصطلح (Les enfumades) التي تفنن فيها المجرم أوجين كافينياك (Eugene Cavaignac)، وشجع على توسيعها السفاح توماس روبير بيجو (Thomas-Robert Bugeaud)، مثل مأساة غار الفراشيح بتاريخ 18 جوان من سنة 1845، حيث أحرق 1800 شخص بينهم نساء وأطفال وشيوخ رفقة حيواناتهم، أحرقوا أحياء بعد أن سد الجيش الفرنسي بقيادة الضابط ايمابل بيليسييه (Aimable Pelissier) جميع مداخلها ومخارجها”.
ويؤكّد البروفيسور ساحل في توطئة “الفكر البرلماني” أن العنف الاستعماري كان أداة استراتيجية لكسر إرادة الشعب الجزائري وإخضاعه تحت الصدمة والترهيب، ويجزم الكاتب بأن الاحتلال اتبع “استراتيجية تقوم على العنف الشامل بهدف شل المقاومة وفرض السيطرة السريعة والواسعة على الإقليم الجزائري”. فمن خلال تحويل القرى والمداشر إلى رماد، سعى القادة العسكريون الفرنسيون إلى قطع سبل الإمداد عن المقاومين الشعبيين، وإدخال الرعب في قلوب المدنيين، لضمان بسط نفوذهم على أوسع رقعة جغرافية ممكنة في أقصر وقت.
المقاربة القانونية..جرائم لا تموت بالتّقادم
في شق جوهري من النّص، يضع البروفيسور ساحل النقاط على الحروف فيما يخص التكييف القانوني للممارسات الاستعمارية، فينتقل من التحليل التاريخي إلى التوصيف القانوني الدقيق، حيث يضع ممارسات الاحتلال الفرنسي تحت مجهر القانون الدولي المعاصر، ويقول إنّ النظام الاستعماري الفرنسي بالجزائر “اعتمد على القوة العسكرية والقمع السياسي والاجتماعي، وتسبّب في حملات التدمير، التخريب، المجازر المنظمة وخسائر بشرية هائلة، مجازر 8 ماي 45، سياسة الأرض المحروقة، التعذيب، التجارب النووية في رقان وإن إيكر، التهجير القسري ومصادرة الأراضي؛ هذه الوقائع تشكل جلّها – وفق القانون الدولي المعاصر – جرائم تستوجب الإدانة والمساءلة”.
ورفع البروفيسور ساحل سقف التحدي القانوني، بالتأكيد على أن ما اقترفه الاستعمار في حق الجزائريين ينتمي “إلى فئة الجرائم الدولية الأكثر خطورة، والتي لا يمكن للوقت أن يطمس معالمها أو يعفي مرتكبيها”، ويجزم البروفيسور ساحل في مرافعتة قائلا: “ثمة جرائم عدة لا تسقط بالتقادم مثل جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية والاختفاء القسري”، مؤكّدا أنّ الذاكرة القانونية للأمة الجزائرية تظل حيّة ومحصّنة ضد النسيان، معتبرا أن المطالبة بالحقوق ليست خيارا سياسيا فحسب، إنما هي واجب قانوني تجاه الضحايا والتاريخ، ويؤكّد أن ثبوت هذه الجرائم يعني بالضرورة أن “المطالبة بالمساءلة القانونية والاعتراف الرسمي”.
الذّاكرة..عنوان السّيادة
ويربط البروفيسور ساحل مرافعتة بين حقبة الكفاح وتطلعات الحاضر، مؤكّدا أنّ الاهتمام بالذاكرة يمثّل جوهر الرؤية السياسية للدولة الجزائرية التي “لا تنسى تاريخها ولا تقبل طمس ذاكرتها”، وأضاف أنّها تمثل جزءا من سياق متميز “يتسم بالزخم الذي أحدثه بناء الجزائر الجديدة المنتصرة بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الذي يولي منذ عام 2019 اهتماما متزايدا وأهمية خاصة لملف الذاكرة، بسبب اقتناعه العميق بأن التاريخ هو خضم الوحدة الوطنية، وأداة لإدراك الحاضر واستقراء المستقبل”.
وشدّد ساحل على أنّ الالتزام بملف الذاكرة هو تجسيد لعهد الوفاء للجيل الذي ضحّى بالنفس والنفيس، فإعادة الاعتبار للتاريخ، جزء أصيل من بناء الجزائر التي تجعل من صون أمانة الشهداء واجبا وطنيا مقدّسا لا يقبل المساومة”، وهو ما يجعل من العمل الأكاديمي والبرلماني في مجال التاريخ “فعل مقاومة” متواصل، يضمن انتقال الشعلة النوفمبرية إلى أجيال المستقبل دون تشويه أو نسيان.
إنّ توطئة البروفيسور ساحل تقدّم بصفة “مقال افتتاحي”، غير أنّها تمثّل وثيقة إدانة مكتملة، حيث استخدم فيها أدوات علمية دقيقة لتشريح ممارسات الماضي، علما أنّ مجلة “الفكر البرلماني” التي تعطّرت بمقالات فارهة في الدفاع عن الذاكرة الوطنية، إنما هي فعل مقاومة فكري يرسخ المقاربة السيادية للدولة الجزائرية في ملف الذاكرة، فالهدف – الأول والأخير – هو تقديم رؤية وطنية رصينة قادرة على مواجهة الأطروحات الاستعمارية في المحافل الدولية، وتحويل الظلم التاريخي إلى قضية حقوقية عالمية مدعومة بالحجة والبيان والبرهان.
للإشارة، فقد أصدر مجلس الأمّة العدد الثاني والأربعين من مجلته المتخصّصة “الفكر البرلماني” (جانفي 2026)، وخصّصه بالكامل لتشريح “جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر 1830-1962”. وجاء هذا العدد المرجعي ليشكّل وثيقة إدانة أكاديمية وقانونية شاملة تفكك آليات الاستدمار الفرنسي في إبادة الإنسان ومحاولة طمس الهوية وتدمير البيئة.
ولم يغفل عدد “الفكر البرلماني” الأبعاد السوسيولوجية والبسيكولوجية للتدمير الاستعماري، فقد ساهم الباحث محمد ياحي المجاجي بورقة علمية حول “جرائم الاستعمار الفرنسي بالجزائر في الجانب الاجتماعي ودورها في تفتيت بنية المجتمع الجزائري”، ليعرض كيفية عمل المستعمر على ضرب الروابط الأسرية والقبلية والتعليمية لمحاصرة الشخصية الوطنية، وفي موازاة ذلك، تناول الدكتور جلة سماعين موضوع “الإبادة النفسية” كأحد أخطر الأسلحة التي استهدفت الذات الجزائرية لإخضاعها وتطويعها.
وتحت محور “الجرائم المستمرة”، أفردت “الفكر البرلماني” ملفا ممتازا حول “التفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية”، حيث وصفتها الدكتورة مولاي أسماء بأنها “جريمة استعمارية لا تزال آثارها تنزف”، مؤكّدة أنّ 17 تفجيرا نوويا بين عامي 1960 و1966 حولت مساحات شاسعة إلى مختبرات مفتوحة للموت، ما يفرض مسؤولية دولية على فرنسا للتكفل بتبعاتها الصحية والبيئية وفقا لقواعد القانون الدولي الإنساني.
ومن الناحية القانونية المحض، ناقشت الأستاذة الدكتورة فايزة مدافر “نموذجا عالميا لمساءلة الدول عن جرائمها الاستعمارية”، مشدّدة على أن الحالة الجزائرية تمثّل نموذجا قانونيا مكتملا للمطالبة بالتعويض والاعتراف.
إنّ هذا الإصدار البرلماني القيّم، بما يتضمّنه من صور توثيقية دامغة وشهادات وأبحاث أكاديمية رصينة، لا يكتفي بكونه مجلة دورية تعنى بالعمل البرلماني، إنما هو “فعل مقاومة فكري” يرسخ المقاربة السيادية للدولة الجزائرية في ملف الذاكرة، ويؤكّد أنّ مؤسسات الجمهورية، ومنها مجلس الأمة، ملتزمة بتحويل الظلم التاريخي الفظيع إلى قضية حقوقية دولية، صونا لأمانة الشهداء وضمانا لعدم تكرار مآسي الماضي في ظل راهن دولي يتطلّب اليقظة والتمسك بالهوية الوطنية.







