ربط الموارد الطبيعية بمنظومة إنتاج وتحويل متكاملة
استحداث مناصب الشغل وتنمية الصادرات خارج المحروقات
تحويل المخططات الاقتصادية من تصورات نظرية إلى مشاريع على أرض الواقع
جاء اجتماع مجلس الوزراء الأخير برئاسة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في ظرف اقتصادي دقيق، تفرض فيه رهانات تنويع الاقتصاد تسريع دخول المشاريع الاستراتيجية حيّز الاستغلال، حيث عكست مخرجاته توجّهاً واضحاً نحو ترسيخ خيار التصنيع المنجمي كرافعة للنمو، عبر الانتقال إلى مرحلة التشغيل الفعلي وربط الموارد الطبيعية بمنظومة إنتاج وتحويل متكاملة مولّدة للقيمة ومناصب الشغل وتعزيز الصادرات خارج المحروقات.
يعكس التركيز على قطاع التعدين خلال هذه المرحلة، انتقال الدولة إلى منطق التشغيل وربط الاستثمار بالنتائج، وإطلاق منجم الزنك والرصاص بواد أميزور بولاية بجاية، يمثل خطوة محورية في هذا المسار، ليس فقط بحكم حجم المشروع، بل بسبب ما يحمله من دلالات اقتصادية واجتماعية. مع توجيه رئيس الجمهورية بضرورة انطلاق المشروع في مارس 2026، ما يضعه في خانة الأولويات الوطنية، باعتباره مشروعاً قادراً على خلق ديناميكية اقتصادية محلية ووطنية في آن واحد.
والأرقام المرتبطة بالمشروع تكشف حجمه وأهميته مع توفير نحو 780 منصب شغل مباشر وأكثر من 4000 منصب غير مباشر، ممّا يعكس أثراً اجتماعياً ملموساً، خصوصاً في منطقة عانت طويلاً من محدودية الاستثمار الصناعي الثقيل. كما أنّ الإنتاج المتوقّع، والمقدّر بحوالي 150 ألف طنّ من مركّزات الزنك و20 ألف طنّ من مركّزات الحديد سنوياً، يضع الجزائر على عتبة الاكتفاء الذاتي في هذه المواد الحيوية، مع إمكانية توجيه الفائض للتصدير، وهو ما ينسجم مع استراتيجية تنويع الصادرات خارج المحروقات.
وبموازاة ذلك، ناقش مجلس الوزراء مدى تقدّم مشروع السّكة الحديدية المنجمية الرابط بين بلاد الحدبة، واد الكبريت، وميناء عنابة، وهو شريان لوجستي محوري لمشروع الفوسفاط المتكامل في الشرق الجزائري، وتسعى الجزائر إلى بناء صناعة لوجستية متكاملة ومترابطة، تقوم على بناء طرق النقل وهي السّكك الحديدية، كذلك موانئ عصرية تستوعب الفوائض لتصديرها نحو الخارج، وهو ما من شأنه رفع القيمة المضافة وكذلك تقليص كلفة النقل وتعزيز تنافسية المنتجات الوطنية.
كما أكّد رئيس الجمهورية على ضرورة المتابعة الشهرية، بل اليومية، للمشروع، والعمل دون توقّف، ما يكشف حجم الرّهان المعقود عليه، لاسيما وأنّ المشروع الممتد عبر ولايات تبسة، سوق أهراس، عنابة وسكيكدة، مرشّح لأن يجعل الجزائر أحد أكبر منتجي الفوسفات ومشتقاته في العالم، ما يجعل الأثر الاقتصادي هنا يتجاوز قطاع المناجم ليصل مباشرة إلى الأمن الغذائي، عبر إنتاج الأسمدة محلياً، وتقليص فاتورة الاستيراد، ثمّ الولوج إلى الأسواق الدولية.
والتقديرات تشير إلى أنّ عائدات تصدير الفوسفاط ومشتقاته قد تتجاوز ملياري دولار سنوياً في المراحل الأولى، مع قابلية الارتفاع بشكل معتبر عند بلوغ المصانع طاقتها القصوى. وهذه الأرقام، في حال تحقّقها، تمثل نقلة نوعية في بنية الصادرات الجزائرية، وتخفّف تدريجياً من الاعتماد على المحروقات.
ويؤكّد العديد من الخبراء أنّ قطاع التعدين في الجزائر وما تمتلكه من مؤهّلات، من شأنه أن يفتح المجال أمام صناعات مرافقة ذات طلب عالمي متزايد، مثل صناعة الأسمدة الزراعية وبطاريات السّيارات، ومكونات السيارات، الدهانات والطلاءات الصناعية، ومستلزمات الحماية من التآكل. وهي قطاعات لا تخلق فقط عوائد مالية، بل تساهم في نقل التكنولوجيا، تطوير الكفاءات المحلية، وبناء نسيج صناعي قادر على الصمود أمام تقلّبات الأسواق.
ووفق ما ورد في بيان مجلس الوزراء، فقد نجحت الجزائر في تحويل المخطّطات الاقتصادية من تصوّرات نظرية إلى مشاريع قائمة على أرض الواقع، مع دخول عدد معتبر منها مرحلة الاستغلال الفعلي. وهذا المسار يعكس قدرة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، على ترجمة التعهّدات إلى واقع اقتصادي ملموس، لاسيما بعدما أكّد منذ سنة 2019 على جعل قطاع التعدين قاعدة صناعية قائمة بذاتها، قادرة على تغطية الاحتياجات الوطنية والتوجّه نحو التصدير. وقد تجسّد هذا الالتزام ميدانياً مع دخول نحو 90 بالمائة من المشاريع المنجمية حيّز التشغيل أو استعدادها لذلك خلال السنة الجارية، وهو ما يُرتقب أن يرفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن ظلّت لا تتجاوز حدود 1 بالمائة خلال العقد الماضي، لتتجه نحو عتبة تفوق 5 بالمائة مع تعميم أنشطة الاستخراج والتحويل والتصنيع ضمن مختلف المشاريع المبرمجة. وهذا التحوّل يضع الاقتصاد الوطني أمام مرحلة انتقالية مفصلية تُعد من بين الأهم منذ الاستقلال، تقوم على التصنيع من الداخل وبناء منظومة صناعية متكاملة تعتمد على الكفاءات الوطنية وتثمين الموارد المحلية.





