انطلقت، أمس، من محطة الشّحن، المشيدة حديثا أولى شحنات خام الحديد لمنجم غارا جبيلات، عبر قطار شقّ هدوء الجنوب الغربي لأول مرة منذ الاستقلال، معلناً عن بداية مرحلة جديدة من الصناعة المنجمية الجزائرية، بإمكانات وطنية وكفاءات جزائرية. منجمٌ، ظلّ لعقود مجرّد حلم مؤجّل راود سكّان المنطقة ليتحوّل إبتداءً من يوم، أمس، واقعاً ملموساً في احتفالية خاصة حضرتها كل أطياف المجتمع التندوفي.
الحدث وبكل تجلّياته، أعاد إلى الأذهان ذكرى تأميم المحروقات سنة 1971، مشكّلاً بذلك فرصة للتأمّل واستذكار ما حقّقته الجزائر طيلة العامين الماضيين، وفرصة لاستلهام العبر والدروس حول ما يمكن للإرادة الجزائرية تحقيقه، رغم تحدّيات التضاريس وعدوانية المناخ الصّحراوي.وطالما يبقى الجزائري متشبّعاً بإرادته الصلبة، مدفوعاً بإرادة سياسية لا تقلّ صلابة عنه، ونظرة استشرافية قلبت وجه الجنوب الغربي من منطقة رعوية تعيش على هامش الجغرافيا وحدود التنمية، إلى مركز التحوّل التنموي ومحرّك للإقلاع الاقتصادي المنشود.
فعاليات إطلاق أول قطار محمّل بخامات الحديد باتجاه ولاية بشار ومنها إلى وهران، تمّت بحضور وزير الدولة وزير المحروقات والمناجم، محمد عرقاب، وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، عبد القادر جلاوي، وكاتبة الدولة لدى وزير المحروقات والمناجم المكلّفة بالمناجم، كريمة بكير طافر، إلى جانب السلطات المحلية بالولاية ومنتخبين وممثلين عن المجتمع المدني بتندوف، في حدث استثنائي وغير مسبوق أكّد على أهمية منطقة غارا جبيلات لدى السلطات العليا، التي قرّرت تحويل الثروة إلى قرار، والجغرافيا إلى نفوذ، والجنوب إلى مركز ثقل جديد في المعادلة الوطنية.
حديث الرأي العام المحلي بتندوف عن خام حديد غارا جبيلات، تحوّل اليوم من حديث عن الأرقام ومردوديته الاقتصادية، إلى الإشادة بحنكة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الذي قاد الجزائر نحو السّيادة المنجمية، ورافق المشروع إلى حين سيطرة الجزائر على كامل السلسلة، من باطن الأرض، إلى خطوط النقل، إلى وحدات التحويل، وصولاً إلى التصنيع والتصدير، وهو ما يراه المواطنون إصرارا للدولة على ربط المنجم بمشاريع وطنية أخرى تضمن استمراريّته واستقلالية القرار الاقتصادي الوطني، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية تُضيّع على الجزائر فرصة الظفر بأحد أكبر مناجم الحديد في القارّة الإفريقية.
علـى أعتاب مرحلــة جديدة
في السياق، أوضح عضو مجلس الأمة، أبيري جمال، أنّ مشروع منجم غارا جبيلات وخط السّكة الحديدية الرابط بين تندوف وبشار، من المشاريع الاستراتيجية الكبرى في تاريخ الجزائر، واصفاً المشروعين بـ»القفزة النوعية» والتحوّل الجذري لمنطقة الجنوب الغربي، مشيراً إلى أنّ المشروعين ليسا مجرّد نشاط منجمي أو لوجيستي، بل هما محرّكان لتنمية شاملة تعيد رسم الخارطة الجيوسياسية والاقتصادية بالجنوب الغربي والوطن.
ويرى أبيري جمال أنّ منجم غارا جبيلات وخط السّكة الحديدية الرابط بين بشار وتندوف، يجسّدان أحد أعمدة التحوّل الاقتصادي الجديد في الجزائر، فمنجم غارا جبيلات -بحسب المتحدّث- يضع الجزائر على أعتاب مرحلة جديدة في صناعة الحديد والصلب بالاعتماد على ثرواتنا الوطنية، ما سيساهم بشكل كبير في تقليص فاتورة الاستيراد وبناء صناعة تحويلية في أقصى الجنوب قادرة على قلب معالم التنمية بالمنطقة.
وأضاف المتحدث قائلاً: إنّ «ربط منجم غارا جبيلات بالخط المنجمي الغربي على مسافة تمتد لـ 950 كلم من السّكك الحديدية، يشكّل شريانا لوجيستيا أساسيا في المنطقة، يتجاوز دوره التقني ليؤدّي أدواراً تنموية أوسع، أبرزها فكّ العزلة عن ولاية تندوف وربطها لأول مرة بالشبكة الوطنية للسّكك الحديدية».
المتحدّث وهو يعدّد النتائج المتوقّعة لخط السّكة الحديدية بشار- غارا جبيلات، أكّد أنّ تدشين هذا المشروع له انعكاسات مباشرة على ولاية تندوف ومحيطها الجغرافي، حيث يُنتظر أن يتحوّل الى محفّز اقتصادي وتجاري واعد، كما سيفتح آفاقاً واسعة أمام تنشيط التجارة واستقطاب الاستثمار إلى كل المناطق التي يمرُّ عبرها، ويعزّز مكانة ولاية تندوف كبوابة اقتصادية نحو العمق الإفريقي.
استحـداث آلاف مناصـــب الشغــل
عرّج النائب أبيري جمال، للحديث عن النتائج الاجتماعية لخط السكة الحديدية بشار- غارا جبيلات، مشدّداً على أنّ هذا المشروع رفقة منجم غارا جبيلات يحملان وعوداً بتحوّلات ملموسة في حياة مواطني الجنوب الغربي، من خلال استحداث آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة في قطاعات المناجم، النقل، والتعدين، فضلاً عن المساهمة في دفع عجلة التنمية، بما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة ويؤسّس لتنمية مستدامة في الجنوب الغربي.
وأشاد أبيري بالإرادة السياسية القوية والثابتة، التي رافقت المشروعين على مدار العامين الماضيين، وانتقلت بمشروع غارا جبيلات من مرحلة التخطيط إلى التجسيد الفعلي، بعد أن ظلّ حبيس الأدراج لعقود من الزمن بسبب تعقيداته التقنية وموقعه الجغرافي.
وثمّن المتحدّث شجاعة رئيس الجمهورية في إعطاء إشارة الإنطلاق الفعلية للمشروع، والإشراف شخصياً على نقل أول شحنة من خام الحديد إلى ولاية بشار ومنها إلى وهران، إيذاناً بفتح صفحة جديدة عنوانها الفعل لا القول، محوّلاً هذا العملاق النائم إلى ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.
وذهب المتحدّث إلى تشبيه نقل أول شحنة من خام الحديد من غارا جبيلات إلى وهران بيوم تأميم المحروقات، باعتباره مناسبة وضعت من خلالها الدولة الجزائرية أول لبنة أساسية لتأمين المادة الأولية لمصانع الصلب الوطنية والتوقّف عن الاستيراد، مجدّداً التأكيد على أنّ بناء قاعدة صناعية تعدينية متكاملة يعني امتلاك الجزائر لقرارها الاقتصادي، وهو مشروع يُنظر إليه كأداة لفرض مكانة الجزائر كقوّة إقليمية في مجال الطاقة والمعادن، خاصةً مع الشراكات الدولية الاستراتيجية التي تم جلبها للمشروع.
منعطـف حاســم فــي مـسار التنميـة الوطنيـة
من جهته، كشف عضو المجلس الشعبي الوطني، النائب بابوزيد لحسن، أنّ تدشين منجم غارا جبيلات وخط السكة الحديدية لنقل خام الحديد والمسافرين بين تندوف وبشار، هو خطوة إيجابية تعود بالنفع على ولايات الجنوب الغربي وعلى كامل التراب الوطني، موضّحاً بأنّ هاذين المشروعين سيؤسّسان لمرحلة جديدة ستشهد معها المنطقة انتعاشاً في مجالات التجارة، الفلاحة، واللّوجيستيك، مؤكّداً على أنّ ارتماء الدولة بكل ثقلها من أجل إنجاح المشروعين وتسليمهما في آجالها المحدّدة، هي قرينة واضحة لا تدع مجالاً للشّك حول المكانة التي يوليها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون لولاية تندوف، وحرصه على إتمام المشاريع الاستراتيجية الكبرى في آجالها المحدّدة.
وأضاف النائب بابوزيد لحسن قائلاً: إنّ تدشين خط السكة الحديدية بشار- غارا جبيلات «يشكّل منعطفاً حاسماً في مسار التنمية الوطنية، باعتباره حجر الأساس لبناء قطب صناعي متكامل بمنطقة الجنوب الغربي، قادر على تحويل الثروات المنجمية إلى قيمة مضافة حقيقية»، مؤكّدا في ذات السياق أنّ مشروع منجم غارا جبيلات وخط السكة الحديدية بشار- تندوف، من شأنهما تنويع مصادر الدخل الوطني بعيداً عن المحروقات وفتح آفاق تنموية، تجارية، اقتصادية واجتماعية جديدة على المنطقة.
وأشار بابوزيد إلى أنّ التوجّه الذي اعتمدته الجزائر من خلال إقرارها لهاذين المشروعين بولاية تندوف، يعكس إرادة سياسية واضحة لترقية الاستثمار المنتج واستغلال المقدّرات الطبيعية، مشدّداً على أنّ ما تشهده ولاية تندوف ومنطقة الجنوب الغربي من مشاريع مهيكلة كبرى، يبعث برسالة اطمئنان قوية للمواطنين، مفادها أنّ الدولة ماضية في تجسيد مضامين الرؤية الاقتصادية التي جاء بها رئيس الجمهورية دون إقصاء أو تهميش، وأنّ الدولة تسير بخطى متسارعة لتقليص الفوارق التنموية بين الشمال والجنوب، وأنّ هذا الجنوب لم يكن هامشاً جغرافياً كالسابق، بل بات فضاءً استراتيجياً واعداً للجزائر المنتصرة.
ودعا بابوزيد مختلف تشكيلات المجتمع التندوفي، إلى اغتنام الفرصة التاريخية والانخراط الفعلي في مسار التنمية الذي سطّرته السلطات العليا، بما يخدم المصلحة العامة ويعزّز مكانة تندوف كقاطرة تنموية في الجنوب الغربي للبلاد، مؤكّدا أنّ الأثر الإيجابي لمنجم غارا جبيلات وخط السّكة الحديدية لن يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل سيمتد إلى البُعد الاجتماعي والتنموي من خلال استحداث مناصب شغل وتحسين الإطار المعيشي لسكان الولاية.
حركيـــة تنمويـة غــــير مسبوقـــة
في ذات السياق، صرّح عضو المجلس الشعبي الوطني، لعبيد لحسن، أنّ الجزائر تقف اليوم على أعتاب لحظة مفصلية من تاريخها الحديث، مؤكّداً أنّ رئيس الجمهورية الذي جعل من حدث تدشين منجم غارا جبيلات وخط السّكة الحديدية يوماً احتفالياً وطنياً، يؤكّد إصرار الدولة على المضي قدماً في تثمين ثرواتنا المحلية وإدراجها ضمن الصناعات الوطنية، موضّحاً بأنّ منجم غارا جبيلات الذي ظلّ لعقود طويلة حلماً تتداوله الأجيال، تحوّل اليوم إلى واقع ملموس يُجسّد رؤية الدولة في استغلال ثرواتها الإستراتيجية وتثمين مقدّراتها الطبيعية.
وأشار النائب إلى أنّ النتائج الاقتصادية والاجتماعية لهذا المشروع، ستمتد لتشمل الاقتصاد الوطني ككل، من خلال ربط منطقة الجنوب الغربي بالشبكة الوطنية للسّكك الحديدية وتعزيز المداخيل الجبائية وإضفاء حركية تنموية جديدة وغير مسبوقة، على المناطق التي يمرُّ عبرها الخط المنجمي الغربي، وأضاف بأنّ منجم غارا جبيلات يُعدُّ لبنة أساسية في بناء صناعة منجمية وطنية قوية، كما سيكون دافعاً قوياً لإنجاز العديد من مصانع المعالجة بكل من تندوف، بشار والنعامة، ما سيسمح بإدماج حقيقي للطاقة المنجمية الكبيرة التي تزخر بها المنطقة.
وشدّد لعبيد لحسن على أنّ دخول منجم غارا جبيلات حيّز الاستغلال مع تدشين خط السّكة الحديدية بشار- تندوف، يُعدان مشروعين إستراتيجيّين سيُحدثان انتعاشاً اقتصادياً قوياً بالمنطقة، وسيُساهمان في دعم مسار التنويع الاقتصادي وتقليص التبعية للمحروقات، مؤكّداً على أنّ منجم غارا جبيلات سيحظى بدور محوري في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة الجزائر إقليمياً وقارياً.
وختم النائب تصريحه بالتعبير عن شغف وانتظار سكان ولاية تندوف، ومعهم كل أطياف المجتمع الجزائري، لهذا اليوم المشهود، معتبراً أنّ تدشين هاذين المشروعين سيكون مصدر فخر واعتزاز مجتمعي، وتجسيداً لإرادة سياسية صادقة جعلت من المشاريع الكبرى رافعة حقيقية للتنمية الوطنية.





