خطوة جبارة نحو السّيادة الصناعية وتقليص فاتورة الاستيراد
مئات مناصب الشغل وضخّ أكثر من 200 مليون دولار سنويا
يؤكّد أستاذ التعدين وهندسة المواد بجامعة الشهيد عباس لغرور في ولاية خنشلة، البروفيسور فلاح مأمون، أنّ مشروع منجم الزنك والرصاص بواد أميزور في ولاية بجاية، الذي أمر رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بإطلاقه خلال شهر مارس 2026، سيكون له أثر إيجابي كبير على الاقتصاد الوطني، والتنمية المحلية، مع الحفاظ على البيئة والمحيط.
كشف البروفيسور مأمون، في تصريح خصّ به «الشعب»، أنّ قطاع المناجم يعدّ أحد الركائز الإستراتيجية التي تراهن عليها الجزائر الجديدة، في إطار سياستها الهادفة إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص التبعية للمحروقات، إذ يبرز مشروع منجم أميزور بولاية بجاية، كأحد أهم المشاريع المنجمية الكبرى في شمال البلاد، نظرا لما يحتويه من إمكانات اقتصادية وتنموية معتبرة على المستويات المحلية والوطنية والدولية.وأوضح مأمون أنّ استغلال هذا المنجم يندرج ضمن الاستثمار في الثروات الطبيعية، ويُمثِّل تثمينه خيارا استراتيجيا لإعادة بعث الصناعة المنجمية في البلاد، وخلق الثروة، وتوفير مناصب الشغل، وتعزيز مداخيل الدولة من العملة الصعبة، وأشار إلى أنّ اكتشاف منجم أميزور كان سنة 1989 في إطار برامج البحث الجيولوجي الوطنية، أين كشفت الدراسات الأولية عن احتياطات معتبرة من الزنك والرصاص ذات نوعية عالية، غير أنّ المشروع ظل مجمّدا لسنوات طويلة بسبب عراقيل مالية وتقنية، إلى جانب غياب رؤية واضحة للموارد المنجمية خارج قطاع المحروقات.ومع التحوّلات الكبرى التي عرفتها السياسة الاقتصادية الوطنية خلال السنوات الست الأخيرة، وبتوجيه مباشر من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أُعيد بعث مشروع استغلال منجم أميزور بعد إخضاعه لدراسات تقنية وهندسية وبيئية معمّقة، تمهيدا لوضعه حيّز النشاط الصناعي ضمن الآجال المعلنة، يقول محدثنا.
وتابع: «يمكن أن يُشكِّل منجم أميزور بولاية بجاية، فرصة حقيقية لإحداث نقلة نوعية في القطاع المنجمي الجزائري، ودعامة أساسية لتنويع الاقتصاد الوطني. فالمشروع، إذا ما أُحسن استغلاله وتسييره وفق رؤية متوازنة، سيُسهم في خلق الثروة ومناصب الشغل ودعم الخزينة العمومية بالعملة الصعبة، وتقوية الاقتصاد الوطني، وتقليل تبعيته لقطاع المحروقات، وهو يمثل مشروعا تنمويا استراتيجيا يخدم الحاضر، ويؤسّس لمستقبل اقتصادي أكثر توازنا واستدامة للجزائر».
أكــبر المكامــن بالمتوسّـط
أفاد البروفيسور مأمون أنّ منجم أميزور المعروف بمنطقة تالة حمزة بولاية بجاية، يقع ضمن أحد أكبر مكامن الزنك والرّصاص في حوض البحر الأبيض المتوسّط، وأشار إلى أنّ الدراسات الجيولوجية تتحدث عن توفّر احتياطات ضخمة تُقدّر بحوالي 53 مليون طنّ منها 34 مليون طنّ من المواد الخام القابلة للاستغلال، ما يمنح المشروع جدوى اقتصادية معتبرة على المدى المتوسّط والطويل.
وأضاف مأمون أنّ هذا المشروع يكتسي طابعا استراتيجيا، كونه ثمرة شراكة بين الجزائر وشركة أسترالية محترفة متخصّصة في التعدين «ويسترن ميديترانين زنك WMZ»، على أن يدخل المنجم حيّز الإنتاج خلال الثلاثي الأول من 2026، حيث تشير التقديرات إلى إنتاج سنوي متوقّع يبلغ نحو 170 ألف طنّ من مركز الزنك، ما يعكس قدرته على تحقيق إيرادات هامة وتقليص فاتورة الاستيراد.
ويرتبط المشروع بإنجاز منشآت قاعدية داعمة، على غرار الطريق السريع الرابط بين ميناء بجاية وأحنيف (البويرة)، ومشروع ازدواجية وكهربة خط السكة الحديدية بين بجاية وبني منصور، بما يسهّل نقل الخامات نحو العامل والمصانع وموانئ التصدير، وإتاحة تنمية محلية للمناطق الريفية بين بجاية والبويرة، وفقا للمتحدث.
آفـــاق تنمويـة واجتماعيــة
لا يقتصر أثر منجم أميزور على الجوانب الاقتصادية، كما شرح مأمون، بل يمتد ليشمل أبعادا اجتماعية وتنموية على المستوى المحلي، ومن المنتظر أن يوفّر المشروع نحو 700 منصب شغل مباشر، وآلاف مناصب الشغل غير المباشرة، ما من شأنه تنشيط قطاعات النقل والخدمات والأشغال العمومية، وتحسين القدرة الشرائية للسكان ورفع جودة حياتهم، خاصة في أوساط فئة الشباب خريجي الجامعات ومراكز التكوين المهني، إضافة إلى ذلك، سيكون من شأن هذا النشاط الصناعي الجديد أن يشكّل رافعة حقيقية لتنشيط الاقتصاد المحلي والجهوي، ودعم المؤسّسات الناشئة والصغيرة والمتوسطة، وجذب استثمارات متنوعة إلى المنطقة.
وأبرز محدثنا أنّ دخول المنجم حيّز الاستغلال يتزامن مع اعتماد حلول نقل حديثة، من بينها استخدام عربات قطار مهيأة خصيصا لنقل المواد المستخرجة، للحدّ من الازدحام المروري وتقليل التأثيرات البيئية، لافتا إلى أنّ الجهات المشرفة على المشروع اعتمدت على تقنيات استخراج آمنة، مدعّمة بدراسات بيئية دقيقة وفق المعايير العالمية المعتمدة.
أبـعـــاد اقتصاديـــة وطنيـة
أكّد البروفيسور مأمون أنّ منجم أميزور يعتبر أحد المشاريع الهيكلية، التي تراهن عليها الدولة الجزائرية لتوسيع القاعدة الإنتاجية خارج قطاع المحروقات، من خلال تعزيز نشاط التعدين ورفع مساهمته في الناتج الداخلي الخام، وهذا بعد أن اعتمد الاقتصاد الجزائري منذ عقود على صادرات النفط والغاز فقط، ما جعله عرضة لتقلّبات الأسعار في الأسواق الدولية.
ويسمح إنتاج الزنك والرصاص محليا، وفقا للمصدر، بتقليص واردات هذه المواد المعدنية الضرورية لعدة قطاعات حيوية، خاصة الصناعة الميكانيكية، فضلا عن توجيه جزء من الإنتاج نحو التصدير للأسواق الخارجية، للاستفادة من الطلب العالمي المتزايد على النوع من المعادن، بما يساهم في تحسين الميزان التجاري الوطني، وتعزيز احتياطات العملة الصعبة بالخزينة العمومية.
مداخيــل سنويـة معتــبرة
صنّف البروفيسور فلاح مأمون الزنك والرصاص في المعادن الإستراتيجية ذات الاستخدامات الواسعة في قطاعات جدّ حيوية، بينها الأشغال العمومية، صناعة السيارات، الصناعات الكهربائية والميكانيكية والطاقات المتجدّدة، وغيرها من المجالات. وبالنظر إلى حجم الاحتياطات المعدنية المتوفّرة وتوقّعات الإنتاج، تشير التقديرات إلى أنّ منجم أميزور قد يدرّ مداخيل سنوية معتبرة تُقدّر بأكثر من 200 مليون دولار، ما يجعله موردا ماليا إضافيا مهما للخزينة العمومية.
وستتحقّق هذه المداخيل الهامة – يقول مأمون – من خلال الضرائب والرّسوم المرتبطة بالنشاط المنجمي، وعائدات تصدير المعادن أو المواد نصف المصنّعة، فضلا عن الأثر غير المباشر المتمثل في تنشيط النسيج الصناعي المحلي والوطني. وحتى في ظلّ تقلّب الأسعار العالمية، يبقى هذا النوع من المشاريع أكثر استقرارا مقارنة بالمحروقات، كونه مرتبط بطلب صناعي عالمي مستمر ومتجدّد، يمنحه طابعا استراتيجيا على المدى المتوسّط والطويل.
هذا، وقد شدّد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، على ضرورة انطلاق منجم الزنك والرّصاص بواد أميزور شهر مارس 2026، لما يوفّره هذا المشروع الاقتصادي الواعد من مناصب شغل ومنافع اقتصادية للمنطقة خصوصا وللجزائر عموما، وذلك لدى ترؤّسه الأحد اجتماعا لمجلس الوزراء، تناول عروضا حول منجم الزنك والرّصاص بواد أميزور، ومتابعة تقدّم إنجاز مشاريع حيوية أخرى.




