تتموضع الفلسفة السياسية لإيمانويل كانط كذروة عقلانية لمشروع الأنوار، فقد تجاوزت في طموحها وسياقها الحدود القومية والجغرافية، لتصوغ رؤية كونيّة شاملة تستهدف تنظيم الوجود البشري وفق مبادئ العقل المحض، فالانتقال من “الأخلاق” إلى “السياسة” عند كانط، لم يكن امتدادا نظريا، بحكم أنه ضرورة حتمية يفرضها العقل العملي، ثم إن الحرية الإنسانية لا يمكن أن تتحقق بشكل كامل إلا ضمن إطار قانوني كوني يضمن السلام الدائم ويخرج البشرية من حالة “الحرب الفطرية” إلى حالة “الحق الدولية”.
ويقوم هذا الانتقال المنهجي على تشريح دقيق لبنية “الحق” بوصفه الجسر الذي يربط بين كرامة الفرد والنظام العالمي؛ فكانط لم يتصوّر السياسة على أساس أنها فن لتدبير المصالح، إنما اعتبرها “عقيدة حق تطبيقي” تجعل من السلام واجبا قانونيا يتجاوز مجرد الأمنية الأخلاقية؛ لهذا، سعت السياسة الكونية الكانطية إلى إعادة صياغة “العقد الاجتماعي” من مستواه المحلي الضيق إلى مستوى “عقد دولي” ينهي شرعية اللجوء إلى القوة، معتبرا أن أي خلل في الحق، في بقعة ما من الأرض، يشعر به الإنسان في كل أنحاء البسيطة، ما يضفي طابعا عضويا وعالميا على العدالة البشرية.
عولمـــة العــــــــدل..
في هذا الأفق، تغدو الرؤية الكونية الكانطية محاولة فلسفية جادة لحل المعضلة التاريخية بين سيادة الدولة وضرورة الخضوع لقانون دولي موحد؛ إذ يطرح كانط مفهوم “المواطنة العالمية” كإطار حقوقي ناظم يحمي الفرد من تعسف القوة العسكرية العابرة للحدود، ومن هنا، يبرز “المنظور الكوني” بما هو غاية نهائية للتاريخ البشري، حيث تعمل الطبيعة – عبر الصراعات والآلام – على دفع النوع الإنساني قسرا نحو بناء مجتمع عالمي يسوده الحق، كي تتحول فيه السياسة من ساحة للمناورة، إلى فضاء لتحقيق “الكمال” الكامن في العقل البشري.
تنبثق الرؤية الكونية الكانطية من تماثل منهجي دقيق بين وضع الأفراد في حالة الطبيعة ووضع الدول في المشهد الدولي؛ فكما أن الأفراد قد تخلوا تاريخيا عن حريتهم الهمجية والمطلقة للدخول في حالة مدنية تحكمها قوانين عامة تضمن أمنهم، فإن الدول، التي لا تزال تعيش في حالة دائمة من التهديد الصريح والعنف المكتوم، تجد نفسها ملزمة عقليا وأخلاقيا بالخروج من هذه الفوضى البدائية. إن حالة “الطبيعة” بين الدول هي حالة حرب مستمرة حتى في فترات الهدوء، لأن غياب سلطة قانونية عليا يجعل القوة هي الحكم الوحيد، وهو ما يراه كانط منافيا لجوهر العقل البشري الذي يطالب بتأسيس الحق كبديل عن الصدفة العنيفة.
بيد أن كانط، في رؤيته الثاقبة والواقعية، يرفض بشكل قاطع لنموذج “الدولة العالمية” الواحدة، أو الملكية الكونية الشاملة، معتبرا أنها كيان هجين قد ينتهي بالضرورة إلى استبداد كوني مروع يطمس التنوع الثقافي والسياسي للإنسانية؛ فالدولة العالمية في نظره هي “مقبرة للحرية”، حيث تصبح القوانين عاجزة عن النفاذ إلى الأطراف المترامية، ما يؤدي إلى انحلال الروابط الاجتماعية وتحول السلطة إلى طغيان مطلق، وبدلا من هذا الاندماج القسري، يقترح كانط صيغة “التحالف” أو “الفدرالية” التي تحافظ على استقلال الأعضاء مع خضوعهم لاتفاق جماعي يمنع العدوان.
ويقوم “اتحاد الشعوب” هذا، على فكرة التزام طوعي ودائم بين دول ذات سيادة، حيث لا يهدف هذا النظام القانوني إلى ممارسة الهيمنة أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بل يكرس جهده حصرا لإحلال السلام ومنع الاقتتال، ما يعني أن هذا الاتحاد لا يشبه الدولة في قدرتها على الإكراه، إنما يقترب من “المعاهدة الدائمة” التي تعلن نهاية شرعية الحرب كأداة سياسية، وبموجب هذا الميثاق، تتحول العلاقات الدولية من الحرص على توازن رعب هش، إلى نظام من الالتزامات المتبادلة التي تستمد قوتها من اعتراف الدول المتبادل بسيادتها وبحرمة أراضيها.
مرتكزات الكونية
ويمثل المقترح الفيدرالي الكانطي حلاّ وسطا بين فوضى الدول المستقلة كليا، وخطر الإمبراطورية العالمية المستبدة، فالرؤية الكانطية تعتمد على “التوسع التدريجي” لاتحاد السلام، كي يشمل كافة شعوب الأرض، ويتم الوصول إلى السلام الدائم من خلال مسار تاريخي تراكمي تفرضه ضغوط التجارة الدولية والوعي الحقوقي المتنامي، وهكذا، تصبح الفدرالية الكانطية الصيغة القانونية الوحيدة التي تضمن تعايش السيادات الوطنية المتعددة، تحت مظلة أمان كوني يحرسه العقل والقانون.
في قلب هذا النسق، يضع كانط ثلاثة مرتكزات قانونية تؤسس لكونيته السياسية، أولها الدستور الجمهوري، ثم حق الأمم، ثم الحق الكوني..
أما الدستور الجمهوري عند كانط، فهو حجر الزاوية والمطلب الأول والأساسي لإمكانية تحقيق السلام الكوني، فهو يمثل الشرط الداخلي الذي بدونه يظل أي نظام دولي بناء هشا فوق رمال متحركة، فالدولة الجمهورية – في المنظور الكانطي -هي تلك التي تتأسس على مبادئ الحرية لأعضائها، وتبعية الجميع للقانون الواحد، والمساواة بين المواطنين، فلبنية الدستورية تضمن أن تكون السياسة الخارجية للدولة تعبيرا عن العقل الجمعي الذي يزن العواقب قبل الإقدام على أي صراع.
وتكمن العلة الجوهرية لكون الجمهورية أكثر ميلا للسلم، في طبيعة “آلية اتخاذ القرار”؛ ففي النظام الجمهوري الذي يقتضي من إعلان الحرب موافقة المواطنين أو ممثليهم، فالمواطن هو الذي سيحمل السلاح، وهو الذي سيخاطر بحياته في ساحات الوغى، وهو الذي سيتحمل عبء الضرائب الثقيلة لتمويل آلة الحرب، وهو الذي سيعاني من الدمار الذي يخلفه النزاع، وبما أن المواطن هو من يقرر دفع ثمن الحرب من دمه وماله، فإنه نادرا ما يختار الانخراط في “لعبة الحرب” الخطرة إلا في حالات الدفاع القصوى عن الحق.
كوابـح الاستبـداد..
على النقيض من ذلك، يرى كانط أن الأنظمة غير الجمهورية (الاستبدادية) تجعل من قرار الحرب أسهل ما يكون؛ فالحاكم المستبد ليس عضوا في الدولة، إنما هو “مالكها”، والحرب لا تنقص من رفاهيته أو مائدته أو قصوره شيئا يذكر، وعلى هذا، يقرر الحرب لأسباب تافهة أو طموحات شخصية، وكأنها رحلة صيد لا تستحق كثيرا من التفكير، تاركا للشعب مرارة النتائج وأهوال الخسائر، ومن هنا، فإن “الدستور الجمهوري” يعمل ككابح بنيوي للنزعات التوسعية، ويحول الدولة من أداة للهيمنة، إلى مؤسسة قانونية تخضع للرقابة الشعبية والعقلانية الأخلاقية.
وتفترض الكونية الكانطية أن انتشار الدساتير الجمهورية سيؤدي – بالضرورة – إلى خلق “منطقة سلام” تتسع تدريجيا؛ فالدول التي تلتزم بقوانين الحق في الداخل ستكون أكثر استعدادا لالتزامها في الخارج، وبهذا المعنى تكون الجمهورية مقدمة ضرورية لـ«اتحاد الشعوب”، إذ لا يمكن بناء سلام متين بين دول لا تحترم حقوق مواطنيها، وهكذا، يصبح الإصلاح الدستوري الداخلي، الطريق الوحيد والأكثر ضمانا لتحقيق الحلم الكوني بالسلام الدائم، حيث تلتقي إرادة الشعوب مع مقتضيات العقل العملي.
إن “الكونية” عند كانط تتجذر في صلب رؤية غائية للطبيعة، ترى في مسار التاريخ البشري حركة هادفة نحو غاية محددة، ويذهب كانط إلى أن الطبيعة تمتلك “قصدا” خفيا يتجلى في استخدام تناقضات البشر وصراعاتهم كوسيلة لتحقيق التقدم؛ فالميل البشري نحو “الاجتماعية غير الاجتماعية” هو المحرك الذي يدفع بالإنسان نحو التقدم، رغما عن أنانيته، وبحثه الدائم عن الخصوصية والانعزال.
السـلام.. ضــرورة تاريخيـة
في هذا السياق، تظهر الحروب والأزمات الاقتصادية الخانقة كمحركات قسرية تدفع الدول (ولو رغما عنها وبعيدا عن نوايا حكامها) نحو الانضواء تحت لواء القانون الدولي، فالحرب في العصر الحديث أصبحت “مشروعا خاسرا” ومكلفا جدا لدرجة أنها تهدد بقاء الدول ذاتها، ما يضطرها – في نهاية المطاف – إلى التماس السلام طلبا للنجاة والحفاظ على الذات، قبل أن يكون حبا للفضيلة.
ويتقاطع هذا العامل الأمني مع “روح التجارة” التي لا يمكن أن تتعايش مع الحروب الدائمة؛ فالتجارة تتطلب الاستقرار والتبادل المفتوح، وهي قوة مادية عابرة للحدود تجبر الدول على التعاون والاعتراف المتبادل بالحقوق، وهذان عاملان ماديان -الخوف من دمار الحرب والرغبة في نماء التجارة – يتقاطعان بشكل مذهل مع المطلب الأخلاقي للعقل، فيشكلان ضغطا مزدوجا (ماديا ومعنويا) يجبر البشرية على سلوك طريق السلام الدائم كضرورة تاريخية لا مفر منها.
هنا يبرز دور “الفكر المتعالي” (Transcendental) الذي يحل المعضلة الفلسفية القديمة بين “ما هو كائن” (واقع العنف والصراع) و«ما يجب أن يكون” (مثالية السلام والحق)، فكانط لا يقدم السلام كأمنية أخلاقية نرجو تحقيقها، إنما يؤسس له كواجب قانوني قطعي نابع من بنية العقل ذاتها.
إن الفكر المتعالي يكشف أن شروط إمكانية وجود مجتمع بشري مستقر تكمن في الخضوع للقوانين الكونية، ما يحول السلام من مجرد “خيار سياسي” إلى “مقتضى عقلي” لا يستقيم بدونه وجود الكائن العاقل.
إن الكونية الكانطية، وفق هذه الرؤية، هي التوليفة العبقرية التي توظف “شرور” البشرية لخدمة “خيرها” الجماعي؛ حيث تضمن الطبيعة، من خلال آليات الواقع المريرة، أن ما يفشل البشر في تحقيقه بدافع الواجب الأخلاقي الخالص، سيتحقق بالضرورة من خلال ضغط المصلحة والضرورة المادية، وهكذا، يظل السلام الدائم هو الغاية المحتومة للتاريخ، أين تلتقي – في النهاية – “حكمة الطبيعة” مع “تشريع العقل” لتأسيس وطن كوني يحترم كرامة الإنسان.
التأثــير الكانطــي..
تتجلى عبقرية الفلسفة الكانطية في قدرتها على تحويل “الكونية” من حلم ميتافيزيقي إلى ضرورة بنيوية ومؤسساتية؛ إذ لم يعد السلام مجرد توقف مؤقت للصراع، بعد أن صار يمثل الغاية النهائية التي يسير نحوها التاريخ البشري مدفوعا بـ«حكمة الطبيعة” وتخطيط العقل، بحكم أن هذا المسار الغائي الذي يوظف الأزمات والحروب كأدوات قسرية للتطور، هو الذي أرسى الدعائم الأولى لما نعرفه اليوم بالنظام الدولي القائم على تعددية الأطراف والقانون العابر للحدود.
ولقد أثبتت الرؤية الكانطية فاعليتها التاريخية حين تحولت موادها “التمهيدية” و«النهائية” إلى الروح الناظم للمنظمات الدولية المعاصرة، مثل عصبة الأمم سابقا والأمم المتحدة حاليا. ففكرة “اتحاد الشعوب” التي نادى بها كانط، رغم هشاشتها الظاهرة أمام واقع السيادة المطلقة، تظل هي الإطار الوحيد الذي يمنع انزلاق البشرية نحو الدمار الشامل في عصر الأسلحة الفتاكة.
السلام.. خارطـة طريـق عقلانيـة
إن الكونية الكانطية تواجه التحديات الوجودية، وتُبرز قيمة “الفكر المتعالي” الكانطي؛ فهو يذكرنا – على الدّوام – بأن السلام “بناء مستمر” يتطلب إصلاحا دائما للدساتير الداخلية (نحو مزيد من الجمهورية) وتقوية للروابط الفيدرالية الدولية، فـ«السلام الدائم”، في المنظور الكانطي، هو المعيار النقدي الذي يجب أن نقيس به شرعية كل فعل سياسي دولي.
ويبقى إيمانويل كانط، رغم بعده الزمني، المعاصر الأكبر لكل المدافعين عن حقوق الإنسان وحكم القانون العالمي، ومقاله حول “السلام الدائم” خارطة طريق فلسفية تراهن على العقل الإنساني في مواجهة الغرائز التدميرية، وكما رأى كانط، فإن “الحق الكوني” هو الضمانة الوحيدة لكي لا ينتهي التاريخ البشري في “مقبرة كبرى” صامتة، إنما يزدهر في مجتم







