لم أرغب في أيّ شيء هذه الفترة..لم يكن ذلك كسلًا، ولا تعبًا عابرًا، بل فراغًا عميقًا يشبه حفرة لا قرار لها. الشغف الذي كان يقودني ذات يوم اختفى بهدوء، كأنه اعتذر وغادر دون ضجيج. الحياة بدت باهتة، بلا ألوان، بلا رغبة حتى في المحاولة.
في أيامٍ مضت، كنت أكتب..القصص كانت ملجئي، أهرب إليها من الواقع، أخلق عوالم أستطيع التحكم بها. أمّا الآن، فالكلمات خانتني. القلم صار ثقيلًا، والدفاتر بقيت مغلقة، تنظر إليّ وكأنها تسأل: لماذا تركتِنا؟
حتى الخروج من الخيمة لم يعد مغريًا. لماذا أخرج؟ وماذا ينتظرني في الخارج؟ نفس الطريق الترابي، نفس الوجوه المتعبة، نفس الهواء المحمّل بالغبار والذكريات.
كل يوم يشبه الذي قبله.
أستيقظ صباحًا على الروتين ذاته، لا جديد، لا مفاجآت. نفس المكان، لم يتغير منذ أن نزحنا قبل ثلاث سنوات. ثلاث سنوات وأنا في الخيمة ذاتها، خيمة لا تقي من برد الشتاء ولا ترحم في حرّ الصيف. جدرانها الرقيقة ترتجف مع الريح، وكأنها تشاركني خوفي وضعفي.
كنت أرتّب الخيمة باستمرار، أُنظّم أركانها، أمسح أرضها، أُصلح ما يمكن إصلاحه. كنت أقول في نفسي: هذا بيتي الآن.
لكن في داخلي، كنت أعرف الحقيقة.
منذ تلك اللحظة…لم أعد أراها بيتًا.
كانت مجرّد مساحة أعيش فيها، لا أنتمي إليها.
وفي أحد الأيام، كنت جالسة على كرسي خشبي قديم عند باب الخيمة.
كرسي متآكل، لكنه صامد، مثلي تمامًا.
كنت أراقب الفراغ، لا أفكر بشيء محدد، حين جاءني الخبر.
لم يأتِ بصوت انفجار، بل بكلمات.
كلمات ثقيلة سقطت عليّ كالحجارة:
بيتكِ قُصف.
توقّف الزمن.
لم أفهم في البداية. أيّ بيت؟
ثم أدركت…
بيتي.
غرفتي.
الجدران التي حفظت ضحكتي وبكائي.
الزاوية التي خبأت فيها أسراري.
النافذة التي كنت أطلّ منها على أحلامي.
طائرات الاحتلال لم تقصف مجرد جدران.
قصفت ذاكرة كاملة.
قصفت طفولتي، ودفاتري، ورائحة القهوة في الصباح، وصوت أمي وهي تناديني، وكل التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد لكنها تعيش في القلب.
لم أبكِ فورًا.
الدموع تأخّرت، كأنها لم تجد طريقها.
شعرت أن شيئًا داخلي انهار بصمت، دون صوت، دون إنذار.
منذ ذلك اليوم، لم أعد أبحث عن الشغف.
كيف أبحث عنه، وأنا فقدت المكان الذي وُلد فيه؟
كيف أكتب، وأنا صرت بلا عنوان؟
أنا الآن في خيمتي، أعيش…
لكن قلبي ما زال هناك،
تحت الركام،
ينتظر بيتًا لن يعود.






