في سياق التحولات الاستراتيجية التي يشهدها القطاع الفلاحي بالجزائر، وتعزيزا لرهان الأمن الغذائي كخيار سيادي، استحدثت الجزائر بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، المجلس الوطني العلمي للأمن الغذائي كآلية علمية واستشارية تهدف إلى مرافقة صانع القرار في مرحلة دقيقة تتطلب الانتقال من الفلاحة التقليدية إلى فلاحة عصرية قائمة على المعرفة، التخطيط، والدراسة العلمية.
ويأتي هذا التوجه في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية، التغيرات المناخية، وضرورة رفع الإنتاج الوطني وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بما يضمن استدامة الموارد وتأمين احتياجات الأجيال القادمة.
وفي هذا الإطار، يضطلع المجلس الوطني العلمي للأمن الغذائي، بدور محوري في تشخيص واقع القطاع الفلاحي، إعداد دراسات السوق والميدان، واقتراح الحلول التقنية والعلمية الكفيلة برفع المردودية وتخفيض التكاليف.
كما يتكامل عمله مع جهود المكننة الفلاحية، البحث العلمي، والتكوين الجامعي، في إطار مقاربة شاملة تجعل من الفلاحة ورشا علميا متكاملا، وتسهم في ترقية هذا القطاع الحيوي إلى مصاف القطاعات الاستراتيجية القادرة على تحقيق الأمن الغذائي الوطني.
في ضوء ذلك، أكد الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة أن قرار إنشاء المجلس الوطني العلمي للأمن الغذائي تم خلال المؤتمر الوطني الأخير الذي انعقد بالجزائر العاصمة، مشيرا إلى أن هذا المجلس يضم إطارات من قطاع الفلاحة، وخبراء وأخصائيين في مختلف المجالات ذات الصلة، ويعمل تحت رئاسة وهيكلة تضم لجانا متخصصة، وقد عقد اجتماعه الأول على مستوى وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري تحت قيادة وزير القطاع. وذلك منذ تنصيبه أواخر شهر أكتوبر على هامش المؤتمر الوطني لعصرنة القطاع الفلاحي.
وأوضح بوخالفة أن استحداث هذا المجلس يندرج في إطار مرحلة جديدة تمر بها الفلاحة الجزائرية، قوامها الانتقال من الأساليب التقليدية القديمة إلى ممارسات عصرية حديثة، مؤكدا أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال المرافقة العلمية والتقنية من طرف المختصين والخبراء.
وأضاف الخبير الفلاحي أن مهمة المجلس تتمثل في دراسة آفاق التنمية الفلاحية المستقبلية، بالاعتماد على الدراسات العلمية والميدانية، واختيار أو ابتكار الوسائل العصرية التي تمكن من رفع المردودية، زيادة الإنتاجية، وتخفيض التكاليف، معتبرا أن الفلاحة اليوم أصبحت ورشا علميا يستند إلى التخطيط والدراسة بدل الاعتماد على الاجتهاد الفردي فقط.
وفي السياق ذاته، أشار بوخالفة إلى أن عمل المجلس يشمل مجالات متعددة، من بينها البذور، استعمال الأسمدة، تحضير الأراضي، تقنيات الري، وسائل التخزين، إلى جانب إعداد تشخيصات دقيقة تتعلق باحتياجات السوق الوطنية، الإمكانات المتوفرة، النقائص، النقاط الإيجابية الواجب الحفاظ عليها، النقاط السلبية التي تستدعي المعالجة، فضلا عن تحليل الفرص والتهديدات التي تواجه القطاع.
وشدد المتحدث على أن إنجاز هذه المهام يتطلب كفاءات متخصصة، موضحا أن الفلاح البسيط قد لا يكون قادرا على القيام بهذه الدراسات المعمقة بمفرده، وهو ما يبرز أهمية وجود مجلس وطني يضم خبراء وأخصائيين يتكفلون بالتشخيصات، دراسات السوق، ودراسات الميدان، ومرافقة تطبيق التقنيات الحديثة في الزراعة.
وفي السياق ذاته، أضاف بوخالفة أن المكننة الفلاحية تشكل عنصرا أساسيا في الفلاحة العصرية، مؤكدا أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على الوسائل القديمة التي لا تتماشى مع متطلبات التنمية الحديثة، داعيا إلى تعيين مختصين في مجال العتاد والمكننة، لتحديد الآليات المناسبة للفلاحين، مع تشجيع إنشاء التعاونيات الفلاحية، ولجان الإرشاد والمتابعة الميدانية، كما أبرز أهمية تعزيز دور الهيئات المختصة في مرافقة الفلاح، موضحا أن القطاع لم يعد قائما على الاعتماد الفردي فقط، بل أصبح يستند إلى منظومة دعم علمية وتقنية تمكن من تطوير الفلاحة، رفع المردودية، وتخفيض التكاليف، بما يكرس الفلاحة كمهنة عصرية معترف بها.
وضمن هذا الإطار، أكد بوخالفة على ضرورة الاستعانة بالجامعة، باعتبارها فضاء لتكوين المهندسين والتقنيين، وإنتاج بحوث وأطروحات علمية تخدم القطاع الفلاحي بمختلف شعبه، سواء النباتية أو الحيوانية، والتي تشمل إنتاج اللحوم، الحليب، البيض، الخضروات، والمحاصيل الاستراتيجية. وخلص محدثنا إلى التأكيد على أن التنسيق بين مختلف هذه الهيئات والاختصاصات من شأنه تمكين الجزائر من تحقيق الاكتفاء الذاتي، تجسيد الأمن الغذائي، وضمان استدامته للأجيال القادمة.




