كريم حسن: تشبّـع الســدود يُمثِّـل فرصــة إستراتيجيـة لتطويـق أزمـة الـرّي
شهدت الجزائر تساقطات مطرية وثلجية معتبرة أدت إلى امتلاء عدد من السدود الوطنية عن آخرها، وأعادت التفاؤل للقطاع الفلاحي شمال البلاد، وهذا عقب موجات جفاف استمرت لسنوات متتالية، أثرت سلبا على نظام الزراعة الطبيعية المعتمد على الأمطار الموسمية.
سجّلت كثير من ولايات الوطن معدّل تساقطات مطرية موسمية مرتفع، خاصة في المناطق الداخلية الشرقية والغريبة التي عانى فلاحوها من الإجهاد المائي في مواسم زراعية سابقة وما رافقه من صعوبات كبيرة للمنتجين والمستثمرين، مما ساهم في تعزيز مخزون المياه بالسدود والتجمعات المائية الصغيرة الموجهة للري الفلاحي.
وجاءت هذه الأمطار في فترة ملائمة جدا لمعظم الزراعات الموسمية الإستراتيجية مثل محاصيل القمح والشعير، إذ ستنعكس إيجابا على المردود الفلاحي الإنتاجي في موسم الحصاد المقبل بداية ماي.
وتبعث المؤشّرات المناخية الرّاهنة على الانشراح في أوساط الفلاحين، خاصة مع بلوغ منسوب السدود مستوى عاليا، ومنها ما امتلأ عن آخره، مما ساهم في تحسّن وضعية الموارد المائية الموجهة للسقي الزراعي، ودعم استمرارية الإنتاج الفلاحي خلال المرحلة القادمة لاسيما خلال شهر رمضان الفضيل، وضمان تموين الأسواق بالمواد الزراعية الإستهلاكية وتلبية حاجيات المواطنين.
إضافة إلى ذلك، يمسّ التأثير الإيجابي للهطولات المطرية الغزيرة، الغطاء الغابي الكثيف الذي تتميز به بلادنا، ومراعي تربية المواشي المترامية في مناطق السهوب والهضاب والصحاري الفسيحة، وكذا الأشجار المثمرة المعتمدة أساسا على السقي التلقائي الطبيعي في الجبال والتلال وعلى ضفاف السواحل المديدة.
وفي هذا الصّدد، صرّح رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، كريم حسن، أن الظروف المناخية الحالية في الجزائر، تُشكِّل فرصة ذهبية لتحويل مسألة امتلاء السدود إلى إستراتيجية نهائية للقضاء على أزمة المياه، خاصة مع تساقط الأمطار والثلوج بغزارة، مشيرا أن السلطات يمكنها رفع التحدي من خلال استغلال هذه الموارد بفعالية علمية وتقنية دقيقة.
وأكد حسن في تصريح أدلى به لـ»الشعب»، أن الاستهلاك الفلاحي العالي كان السبب الرئيسي لأزمة المياه في الجزائر سابقا، حيث يمتص حوالي 70 % من إجمالي الموارد المائية المتاحة (حوالي 7 مليار متر مكعب سنويا من إجمالي 10.6 مليار م³)، وهذا الاستهلاك يفوق قدرة السدود المتأثرة بدورها من شح التساقطات والجفاف طيلة أعوام.
وعن واقع السدود حاليا، أبرز محدثنا أن هناك 81 سدا بسعة تخزين إجمالية تصل إلى 8.6 مليار متر مكعب، وتشهد تحسنا ملحوظا في نسبة الامتلاء بفضل الأمطار والثلوج خلال موسم 2025-2026، منوها أن النسبة ارتفعت من 33.82 % في بداية جانفي 2026 إلى نحو 35-50 % في غضون أسابيع قليلة، مع امتلاء كامل (100 %) لـ8 سدود مثل سدود سكلافة بالأغواط، وبوزجزة بتسيمسيلت وعين تموشنت، فضلا عن سد مكسا بالطارف، وسد كيسير بجيجل، وسد وادي التحت بمعسكر وغيرها من السدود.
كما ساهم تساقط الثلوج المستمر على المرتفعات فوق 700 متر، خاصة في الداخل الشرقي والغربي والوسط، في تعزيز المخزون السطحي والجوفي للمياه، بحسب قوله.
وفي ظلّ ارتفاع منسوب مياه السدود، دعا حسن إلى رفع التحدي للقضاء نهائيا على الأزمة المائية، عبر تسريع الربط البيني بين السدود الوطنية، مثل ربط سد القطراني ببني ونيف (80 ألف م³/يوم)، وغيرها من المشاريع الكبرى سارية التنفيذ، مع إنجاز 5 سدود جديدة في 2026 لرفع السعة الإجمالية إلى 9 مليار م³.
ولفت محدثنا إلى أهمية المشاريع الإستراتيجية الكبرى في قطاع الموارد المائية بالجزائر، التي أقرها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خاصة ما تعلق بمشاريع على محطات تحلية مياه البحر، والربط بين السدود، وتهيئة البنى التحتية للمشاريع الرئيسية، وتفعيل محطات تصفية المياه العادمة الموجهة للفلاحة.
واعتبر المختص ذاته، هذه المشاريع نقلة نوعية تُمهِّد لضمان الأمن المائي الشامل للبلاد، والحدّ من تداعيات التغيرات المناخية الفجائية والطارئة.
إلى ذلك، تُمثِّل محطات تحلية مياه البحر الخمسة المدشّنة وقيد الاستغلال في ولايات الطارف وبومرداس وتيبازة ووهران وبجاية، والشروع في إنجاز 6 مركبات أخرى، بطاقة إنتاجية تصل إلى 300 ألف متر مكعب يوميا لكل محطة، خطوة متقدمة للقضاء على أزمة مياه الري الفلاحي في الجزائر، من خلال فكّ الضغط الاستهلاكي للشرب على مياه السدود، وتوجيه الحجم الأكبر منها للري الزراعي مستقبلا، يذكر رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، كريم حسن.


