بـين ضـرورة العدالـة التاريخية وحتميــة المسؤوليـــة القانونية
ونشرنا أمس الحلقة الأولى من التوطئة الابستمولوجية التي أعدها رئيس ديوان السيد رئيس مجلس الأمة، البروفيسور مخلوف ساحل، لمجلة “الفكر البرلماني” في عددها الثاني والأربعين، واليوم، نواصل نشر الحلقة الثانية، تعميما للفائدة
التحرير
إن موضوع تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر ليس وليد دوافع ظرفية بقدر ما هو مسألة مبدأ وفاءً لتضحيات جسام قدّمها الشعب الجزائري نظير افتكاكه لحريته واستقلاله، وهو أيضا مسار يرمي إلى تحديد المسؤولية السياسية والتاريخية والمعنوية للنظام الاستعماري الفرنسي بهدف الاعتراف بكامل الأعمال الإجرامية التي قام بها خلال الفترة من 1830 إلى 1962 وما نتج عنها من آثار سلبية إلى يومنا هذا.
كما يأتي هذا المسعى للكشف عن الطابع العنصري الذي ارتبط عضوياً وفكرياً بالمصفوفة الاستعمارية الفرنسية في بُعدها التقليدي و التي يحاول إحيائها حديثاً من ينتسبون للتيارات الكولونيالية الجديدة سواء كانوا ضمن اليمين المتطرّف أو في صفوف اليمين المحافظ، ولعلّ ما حدث في 23 فبراير 2005 حينما أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً يتضمن تمجيد الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا، أو ما يقوم به برلمانيو ومسؤولو حزب التجمع الوطني، وكذا حلفائه السياسيين من سلوك سياسي عدواني تجاه الجزائر، جلّها مؤشرات تجعل من مسألة تجريم الاستعمار الفرنسي ضرورة و حتمية سياسية وقانونية.
من هذا المنطلق كان لزاماً أن تكون ثمّة ردود فعل في الجزائر سيما من خلال ما تمّ طرحه عام 2006 في سياق أول مبادرة لمقترح قانون في البرلمان الجزائري لتجريم الاستعمار الفرنسي، لكن المشروع ظلّ غير مُدرج في الأجندة البرلمانية ولم يتقدّم في مساره التشريعي.
وقد استمر الوضع كذلك إلى غاية 21 مارس 2025 حيث أعلن المجلس الشعبي الوطني تحضيراته تشكيل لجنة برلمانية لصياغة مُقترح قانون يتعلق بتجريم الاستعمار وتضم نوّاباً من مختلف الكتل، في خطوة فعلية لإحياء المسار التشريعي.
تجريم الاستعمار وفق القانون الدولي
يمثّل ملف تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر أحد أبرز الملفات التاريخية والقانونية والسياسية التي ما زالت تثير نقاشاً واسعاً. فالاستعمار الفرنسي الذي امتدّ بين 1830 و1962 خلّف ملايين الضحايا وممارسات ترقى في جزء كبير منها إلى جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، وفقاً للمعايير الدولية الحديثة.
اعتمد النظام الاستعماري الفرنسي في الجزائر على القوة العسكرية والقمع السياسي والاجتماعي، تسبّب في حملات التدمير، التخريب، المجازر المنظمة وخسائر بشرية هائلة، مجازر 8 ماي 45، سياسة الأرض المحروقة، التعذيب، التجارب النووية في رقان وإن إيكر، التهجير القسري ومصادرة الأراضي؛ هذه الوقائع تشكّل جلّها وفق “القانون الدولي المعاصر” جرائم تستوجب الإدانة والمساءلة. خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لم تكن قواعد حماية المدنيين موضوعة بالصورة الحالية في شكلها الاتفاقي، لكن كانت هناك قواعد قانونية دولية عُرفية تمنع قتل فئة المدنيين والتعدي على الأعيان المدنية دون ضرورة عسكرية، وقد ظهرت لاحقاً اتفاقيات أساسية شكّلت ما عُرف بقانون الحرب التقليدي مثل اتفاقية جنيف لسنة 1864 واتفاقيات لاهاي 1899 و1907، ليتشكل فيما بعد ما بات يُعرف بالقانون الدولي الإنساني، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية من خلال اتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 وبروتوكولاتها الإضافية التي ظهرت لاحقاً، ثم الاتفاقية الدولية الخاصة بجريمة الإبادة الجماعية 1948؛ مما يجعل أن أغلب الجرائم الفرنسية التي استمرت حتى 1962، الكثير منها خاضع بشكل مباشر لهذه الاتفاقيات.
وفي نظر القانون الدولي، فإن ثمة جرائم عدة لا تسقط بالتقادم مثل جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية، والاختفاء القسري؛ وقد اقترفت الكثير منها خلال وجود الاستعمار الفرنسي في الجزائر مما يعني إن المطالبة بالمساءلة القانونية والاعتراف الرسمي عنها مسألة إقرار عدالة تاريخية وحتمية قانونية.
علاوة على ذلك، فإن الأمر يرتبط أيضاً بكيفية التعامل مع إرث العنف الاستعماري الفرنسي في الجزائر، وكيفية انعكاسه على موضوع الذاكرة الوطنية، إلى جانب محاولة معرفة مدى قدرة المجتمع الفرنسي على الاعتراف ومواجهة ماضيه بشفافية، وتسليط الضوء على كيفية تذكر فرنسا الماضي بانتقائية وازدواجية حينما تحيي ذكرى بعض المجازر ذات الصلة بالحرب العالمية الثانية بينما تتجاهل جرائمها في مستعمراتها السابقة كالجزائر.
وعليه، إن الحديث عن جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر ضمن هذا العدد من مجلة الفكر البرلماني، يشكل لا محال قضية بالغة الأهمية كونها تتعلق برسالة قوية مفادها أن الجزائر لا تنسى تاريخها ولا تقبل طمس ذاكرتها، ويأتي أيضاً كجزء من سياق متميز يتسم بالزخم الذي أحدثه بناء الجزائر الجديدة المنتصرة بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي يولي منذ عام 2019 اهتماماً متزايداً وأهمية خاصة لملف الذاكرة، بسبب اقتناعه العميق بأن التاريخ هو خضم الوحدة الوطنية، وأداة لإدراك الحاضر واستقراء المستقبل.






