الفيلـم حـوّل المـادة الإعلاميةـ إلى منتـج موجه يخدم فكرة مسبقة بدل نقـل الوقائـع
هذا النوع مـن المعالجة يُضعف النقاش الديمقراطـي داخــــل فرنسـا نفسهـا
منح حيزا كبيرا لأصوات لا علاقة لها بالتاريخ مقابل تهميش العمل الأكاديمي الجاد
المـؤرخ : وافقـت علــى الظهــور فــي الفيلــم لتقـديم تحليــل تاريخـي واضح
قدم المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا في تصريحات عبر قناة الجزائر الدولية، عقب الاستنكار والاستهجان الذي أثاره وثائقي قناة France 2 الخميس الماضي، وهو وثائقي مشبوه ورخيص وُجّهت له انتقادات واسعة داخل فرنسا والجزائر، بسبب ما تضمنه من معالجة مفضوحة ضد جزائر الأحرار وتاريخها، وتشويه لصورة الدولة الجزائرية ورموزها، في سقطة أو بالأحرى جريمة إعلامية غير مسبوقة.
وأوضح ستورا، في حديثه أن المقابلة التي أجراها مع فريق الوثائقي امتدت لما يقارب ساعة ونصف، وتناولت بشكل معمق مسألة الذاكرة الاستعمارية، وأسباب استمرار التوترات المرتبطة بالماضي بين فرنسا والجزائر، وما خلّفه الاستعمار من ذاكرات جريحة ما تزال تؤثر في العلاقة بين البلدين، وكان هذا محور النقاش الحقيقي، ووافق – على أساسه – على الظهور في الوثائقي، ليقدم تحليلا تاريخيا واضحا حول جذور الإشكاليات القائمة.
غير أن ما عُرض على الشاشة – يؤكد ستورا – لم يعكس هذا النقاش، إذ تم الاكتفاء ببضع ثوانٍ مقتطعة من حديث طويل، عُزلت عن سياقها، ولم تكن مرتبطة بما طرحه فعليا خلال المقابلة، واعتبر ستورا أن هذا الأسلوب يفرغ العمل الصحفي من مضمونه، ويحوّل المادة الإعلامية إلى منتج موجه يخدم فكرة مسبقة بدل أن ينقل الوقائع كما هي.
وفي تصريحه، شدد ستورا على أن هذا النوع من المعالجة يُضعف النقاش الديمقراطي داخل فرنسا نفسها، لأن الرأي العام يُبنى على معطيات ناقصة ومجتزأ، كما أشار إلى وجود صراع داخل الوسط الإعلامي الفرنسي بين صحفيين ما زالوا متمسكين بقواعد المهنة، وبين توجهات تحريرية باتت أكثر ميلا إلى الإثارة والخطاب الشعبوي، خاصة في القضايا المرتبطة بالجزائر والذاكرة الاستعمارية.
ومنح الوثائقي المعادي للجزائر – يقول ستورا – حيزا زمنيا كبيرا لأصوات لا علاقة لها بالبحث التاريخي ولا بمعرفة دقيقة بتاريخ الجزائر، في مقابل تهميش العمل الأكاديمي الجاد المبني على الوقائع والتحليل الحيادي، وهذا الاختلال في التوازن يعكس توجها إعلاميا أصبح يعطي الأولوية للخطابات الانفعالية، على حساب التحليل الرصين القائم على الوثائق والسياق.
ويرى العديد من المتابعين والإعلاميين أن المعالجة التي قدمتها القناة الفرنسية العمومية لم تقتصر على النقاش التاريخي، بل ذهبت نحو ربط الدولة الجزائرية بقضايا أمنية وسياسية معقدة عبر شهادات أشخاص مصنفين إرهابيين في الجزائر ومحكوم عليهم قضائيا، مع تجاهل الإطار القانوني والسيادي لهذه الملفات، وتجاهل رفض باريس التعاون القضائي مع الجزائر في تسليم هؤلاء، ما يؤكد أن هذا الربط لا يمكن أن يقدم فهما حقيقيا للواقع، وإنما يساهم في تشويه صورة الدولة الفرنسية نفسها ومؤسساتها، ويغذي خطابا عدائيا قائما على الخلط المتعمد بين الأفراد والدولة.
وما يلفت كذلك في موقف ستورا، كما عبّر عنه عبر قناة الجزائر الدولية، أنه لا يندرج ضمن أي سجال سياسي، بل يعكس قلقا حقيقيا من تراجع المعايير المهنية داخل الإعلام العمومي الفرنسي وهي سابقة خطيرة، ويسلط حديثه الضوء على تحول أعمق في المشهد الإعلامي، حيث أصبحت بعض القنوات العمومية أكثر تأثرا بخطاب اليمين المتطرف الذي يتعامل مع الجزائر كـ»عقدة تاريخية مستمرة» منذ استقلالها سنة 1962.
ولطالما نظر اليمين المتطرف في فرنسا إلى الجزائر بكل مكوناتها الدولة الجزائرية وجاليتها في الخارج من زاوية أيديولوجية ضيقة، باعتبارها رمزا لنهاية المشروع الاستعماري الفرنسي، ومحطة فاصلة أنهت حلم الإمبراطورية، وينعكس هذا الإرث غير المحسوم في الخطاب الإعلامي عندما تتحول الجزائر إلى مادة دائمة للاستثمار السياسي الداخلي، تُستدعى كلما احتاج الخطاب الشعبوي إلى خصم خارجي أو ملف تعبوي.
في هذا السياق، يصبح الإعلام أداة لإعادة إنتاج سرديات قديمة بدل المساهمة في بناء فهم عقلاني للعلاقات بين الدولتين، وتصريحات ستورا تكشف هذا الخلل من الداخل، وتضع الإعلام العمومي الفرنسي أمام مسؤولياته، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة ذات أبعاد تاريخية وسياسية معقدة، كما أن البعض وصف اختيار ستورا الإدلاء بتصريحاته عبر قناة جزائرية قد يعكس أيضا ضيق المساحة داخل بعض المنابر الفرنسية لعرض المواقف كاملة دون اجتزاء، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل النقاش العمومي في فرنسا، وقدرة الإعلام العمومي على أداء دوره كفضاء للتعددية والموضوعية، وأيضا كفضاء لبناء علاقات متزنة بين الجزائر وفرنسا قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
إن ما أكده ستورا لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعرفه الساحة الإعلامية الفرنسية، لاسيما وأن القضية لا تتعلق بفرنسا كدولة ولا بالشعب الفرنسي، بل بانحراف خطاب إعلامي بات يخضع لضغوط أيديولوجية يمينية متطرفة، على حساب المهنية والحقيقة، والجزائر، في هذا المشهد، تظهر كمرآة تعكس هذا الخلل، لا كطرف يسعى إلى التصعيد، بل كدولة تطالب باحترام تاريخها وسيادتها ومعالجة القضايا المشتركة بمنطق المسؤولية والابتعاد عن منطق التشويه والتعالي.



