الإنسان المغربـي.. الحلقــة الأضعـف فـي حسابات السلطــة العميلــة
دخل المغرب مطلع عام 2026 نفقاً مظلماً من الأزمات المركّبة، إذ لم تعد سياسات «المخزن» مجرّد اختيارات سياسية عابرة أو قابلة للنقاش العمومي، بعد أن تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لرهن مقدّرات البلاد وسيادتها، ووصل التغلغل الصّهيوني إلى مفاصل الدولة، و لم يعد يقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل تحوّل إلى «صهيونية كاملة» ترهن القرار السّيادي المستقل لمصالح لوبيات خارجية ضيقة.
يصف خبراء هذا الارتهان الذي غرق فيه المغرب، بـ»الاحتلال الثاني»، فهو يجرّ البلاد نحو مستقبل مجهول ويحوّل الجغرافيا المغربية إلى ساحة لتأمين مصالح الكيان الصّهيوني، على حساب المصالح العليا للشعب المغربي.
ويتّسم المشهد الحالي في المغرب، بمفارقة حادة وصادمة بين «بريق الدعاية الرّسمية» التي تروّج لأرقام نمو وهمية، وانفراجات اقتصادية مكذوبة، وبين «قتامة الواقع المعيش»، الذي يكتوي بناره المواطن البسيط. فبينما ينشغل النظام بتسويق واجهة خارجية برّاقة، يعاني الداخل من هشاشة مزمنة في قطاعات التعليم والصحة، وتآكل مخيف في الحريات العامة، مع ذلك يصرّ المخزن على التضليل الرّقمي الذي يحاول القفز على واقع التضخّم وجمود الأجور، ويعكس نظاماً يضع مصالحه الاستراتيجية وأمنه السلطوي تحت أرجل الصّهاينة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين السلطة والشارع إلى حد غير مسبوق.
نُــــذُر انفجــار قـــادم
لا شكّ أنّ استمرار التغوّل المخزني عبر سياسات «التفقير والتهجير»، التي تجلّت في هدم مساكن الفقراء وتشريدهم في عزّ الشتاء، ينذر بانهيار وشيك للعقد الاجتماعي الهشّ أصلاً، ومع تزايد فئة المواطنين القابعين تحت خط الفقر، وتحول الدولة إلى أداة لخدمة المستثمرين الأجانب والصّهاينة، حتى على مستوى الثروات المائية والفلاحية، بات الاحتقان الاجتماعي مرشّحاً للانفجار في أي لحظة، وليس عنا ببعيد «الطوفان الأسود» الذي يقوده المحامون، وإضرابات قطاعات التعليم والاحتجاجات المستمرة لضحايا الزلازل المهمّلين، فهذه المظاهر كلها ليست سوى مؤشّرات أولية على أنّ سياسة «الرهان الخاسر» التي يتّبعها المخزن استنفدت كل مبرّرات بقائها.
التطبيــع.. بوابــة الاخــتراق..
لم يكن اتفاق التطبيع الذي أُبرم قبل خمس سنوات، مناورة دبلوماسية ولا تحرّكاً تكتيكياً كما حاول الإعلام الرّسمي تسويقه وتبريره، إنما كان – في جوهره – «حصان طروادة» لتمكين تغلغل بنيوي عميق طال المفاصل الحيوية للدولة المغربية، وواضح اليوم أنّ الحديث لم يعد يدور حول علاقات عابرة، فالخبراء والمناهضون للتطبيع يحذّرون من «مشهد بالغ الخطورة» يتمثل في انتقال الدولة من مربّع التطبيع السياسي إلى إعلان «صهيونية كاملة» داخل المؤسّسات، ممّا يهدّد استقلالية القرار الوطني ويجعل البلاد مرتهنة بشكل كامل لأجندات الكيان المجرم.
وليس بعيدا ما يشهده قطاع الفلاحة المغربي، فهو يتجاوز حدود الاستثمار الاقتصادي المألوف ليصل إلى مستوى «المخطّط الاستيطاني» الصريح، حيث يتم السطو الممنهج على أجود الأراضي الفلاحية من قبل الصّهاينة تحت غطاء مشاريع استثمارية وهمية، ويتم هذا التغلغل بتواطؤ مكشوف من «المخزن» الذي يسهّل عمليات التملّك واسعة النطاق، وهو ما يصفه مراقبون بـ»الاحتلال الثاني» الذي ينزع ملكية الأرض من الفلاح المغربي الأصيل ليمنحها لمستوطنين جدد، في ضربة قاصمة لمفهوم السّيادة الوطنية على التراب.
أمّا الأخطر من السطو على الأرض، هو الاستنزاف المرعب لـ»الأمن المائي» المغربي، في ظل أزمة جفاف خانقة تضرب البلاد، وبينما يواجه الفلاح المغربي البسيط شبح العطش والخراب، تستهلك مستثمرة زراعية صهيونية واحدة ما يعادل 127 مليون متر مكعب سنوياً، أي نحو 3 بالمائة من استهلاك مدينة مغربية كبرى بالكامل، وواضح أنّ هذا الهدر الفظيع للموارد المائية المحدودة يمثل جريمة بيئية واجتماعية، إضافة إلى أنه يعطي الأولوية لرفاهية الاستثمارات الصّهيونية على حساب حق المواطن المغربي في قطرة الماء.
إنّ هذه التحوّلات الخطيرة تتم تحت غطاء من الغموض والسرية، ولقد نبّه خبراء اقتصاديّون إلى وجود «بنود سرية» في الاتفاقيات المبرمة مع الكيان الصّهيوني، تفتح المجال لتملّك واسع النطاق للأراضي والمقدّرات تحت مسمّيات استثمارية مضلّلة، وهو ما يفسّر بيع الأرض والمياه في غرف مظلمة بعيداً عن الرقابة الشعبية، فالمخزن يرفع شعارات «الانفتاح الاقتصادي» من أجل إخفاء النية العميقة في التفريط الصريح في السّيادة الوطنية، ذلك أنّ بيع «البيت من الداخل» يحوّل «المخزن» إلى حارس بسيط، خادم لمصالح اللوبي الصّهيوني.
ولا يتوقّف التغلغل الصّهيوني عند حدود الأرض والماء، فهو يمتد ليشمل ارتهاناً عسكرياً وأمنياً كاملاً، يتم تمويله بميزانيات ضخمة كان الأجدر أن توجّه نحو قطاعات اجتماعية حيوية كالصّحة والتعليم، علما أنّ هذا التوجه يتم على حساب التنمية البشرية للمغاربة، حيث تضيع الأموال في صفقات تسلّح وتنسيق أمني يحمي مصالح النخبة الحاكمة وحلفائها الجدد، بينما تزداد فئات الشعب فقراً وتهميشاً، ما يؤكّد أنّ «الخسارة الاقتصادية والسياسية» باتت واضحة، في تراجع الاستثمار في كرامة المواطن مقابل الارتماء في أحضان الصّهيونية.
واقــع التهميــش الميــداني
تتعارض خطابات «النهضة الاقتصادية» والمشاريع الكبرى، التي يسوّق لها المخزن، مع الواقع المعيشي الذي تعكسه المؤشّرات الميدانية، حيث تبرز فجوة طبقية سحيقة تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم، ويعتمد المخزن سياسة «التضليل الرّقمي» عبر تصدير إحصائيات تدعي تراجع معدّلات التضخّم، في محاولة لتهدئة الرأي العام والمؤسّسات الدولية، إلا أنّ هذه الأرقام تتجاهل حقيقة أنّ الأجور لا تزال تعاني جموداً مزمناً منذ سنوات، بينما تستمر أسعار الطاقة والمواد الغذائية الأساسية في الارتفاع، ملتهمة ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطنين ومحوّلة الطبقة المتوسطة إلى فئات تقبع تحت عتبة الفقر.
وفي الوقت الذي تئنّ فيه ميزانية الدولة تحت ضغط المديونية، تظهر أولويات النظام في توجيه مبالغ ضخمة نحو «شراء الذّمم» وضمان الولاءات السّياسية في الداخل والخارج، والأخطر من ذلك هو الاندفاع نحو ارتهان عسكري وأمني كامل للكيان الصّهيوني، وواضح أنّ هذا التحول الاستراتيجي لم يكتفِ باستنزاف الخزينة العامة عبر صفقات تسليح باهظة، بل جعل القرار السّيادي مرتهناً لأجندات خارجية لا تخدم مصلحة الشعب، ما عمّق عزلة البلاد وأدخلها في دوامة من التبعية لا تراعي المصالح القومية العليا.
وخلف بريق المشاريع السياحية والواجهات العمرانية الكبرى، تعيش المرافق العمومية الأساسية، وعلى رأسها المستشفيات والمدارس، حالة من الإهمال الكارثي الذي يكشف زيف الشعارات التنموية، فالمواطن البسيط يواجه منظومة صحية متهالكة تفتقر إلى أدنى شروط الرعاية، ومؤسّسات تعليمية تعاني الاكتظاظ وضعف الإمكانات، ما يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية، حيث يصبح الحق في الصحة والتعليم الجيّد حكراً على النخبة، بينما يُترك السواد الأعظم من الشعب لمواجهة مصيرهم في ظلّ غياب شبه تام لشبكات الأمان الاجتماعي.
ولا يمكن لأي تنمية حقيقية أن تقوم على «أنقاض بيوت الفقراء»، وهي الظاهرة التي تفاقمت مؤخّراً عبر حملات هدم واسعة ومصادرة للأراضي تحت مسمّيات تنموية واهية.
إنّ تهجير المواطنين من أراضيهم التاريخية وهدم مساكنهم في عزّ الشتاء، دون توفير بدائل لائقة أو تعويضات عادلة، يثبت أن هذه المشاريع لا تستهدف الإنسان، بل تخدم مصالح لوبيات العقار والرأسمال المتوحّش. هذه السياسة القمعية تعكس استخفافاً تاماً بكرامة المواطن وحقّه الأصيل في السكن والعيش الكريم فوق أرضه.
ولا يحتاج القول دليلا، إذ يتّضح جليا أنّ الإنسان المغربي هو الحلقة الأضعف في كافة حسابات المخزن، حيث يتم التضحية باستقراره وأمنه الاجتماعي من أجل تجميد الصورة الخارجية للنظام، ولا شكّ أنّ الإصرار على استكمال مشاريع «الواجهة» مع انهيار ركائز الاستقرار الداخلي، ينذر بانفجار اجتماعي وشيك نتيجة تراكم المظالم، فالسلطة التي تضع «البرستيج السياسي»، والاتفاقيات الأمنية المشبوهة، فوق لقمة عيش المواطن، تفقد شرعيتها الأخلاقية وتثبت أنّ التنمية في منظورها ليست سوى أداة لمزيد من الضبط والسّيطرة، لا وسيلة للتحرّر والرّخاء.
الطوفـــان الأســود..
تعيش المملكة اليوم على وقع «طوفان احتجاجي» غير مسبوق، يقوده أصحاب الجبة السّوداء الذين نجحوا في شلّ المحاكم المغربية بالكامل، وتأتي انتفاضة المحامين ضدّ مشروع قانون المهنة الجديد، لتكون صرخة في وجه محاولات «المخزن» تركيع القضاء وتقويض ما تبقى من استقلال المهنة القضائية. يسعى وزير العدل، ومن ورائه السلطة المركزية، إلى فرض «هندسة تراجعية» تهدف إلى إحكام القبضة على ممارسي القانون وإلغاء التوازن بين «السلطة والحق»، ما يحوّل المحاماة من حصن للدفاع عن الحريات إلى أداة ملحقة بالجهاز الإداري.
شلل قطاعي يلوح في الأفق، إذ لم يعد الاحتقان محصوراً في ردهات المحاكم، بل امتد كالنار في الهشيم ليشمل قطاعات حيوية أخرى، وعلى رأسها قطاع التعليم والخدمات العمومية، فقد أعلنت النقابات الأكثر تمثيلية عن إضرابات عامة واعتصامات أمام وزارة التربية الوطنية، ما يعكس «زوال كل بوادر الانفراج» في طريقة معالجة الملفات المطلبية، وتصرّ الحكومة على اعتماد سياسة «التسويف والتماطل» وهدر الوقت، لتعمّق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسّسات، وتجعل الشارع المغربي يتأهّب لتصعيد ميداني شامل يندّد بتردي الأوضاع المهنية والمعيشية.
مأساة زلزال الحوز.. تتواصل
من جهة أخرى، يبرز ملف «ضحايا زلزال الحوز» كوصمة عار على جبين السياسات الرّسمية، فبعد مرور أكثر من سنتين على الكارثة، لا يزال المئات من المشرّدين يواجهون الصقيع والنسيان، وتتواصل معاناة الأسر المحرومة من الدعم والتعويض، رغم فقدانهم لمنازلهم بشكل كلي، لتبرهن على أنّ سياسة «التجاهل واللامبالاة» هي الرّد الوحيد للمخزن على معاناة المهمّشين، الذين وجدوا أنفسهم مضطرّين لاستئناف نشاطهم الاحتجاجي أمام البرلمان، في محاولة أخيرة لإسماع صوتهم لمن صمّوا آذانهم عن أنين الجوع والبرد.
إنّ سياسة المخزن الحالية تتأسّس على ركيزتين: الاستقواء بالخارج (الكيان الصّهيوني) والقمع الممنهج في الداخل.. هذا الارتهان للمصالح الصّهيونية مقابل التفريط في السّيادة الغذائية والمائية والعسكرية، يضع المغرب أمام «احتلال ثانٍ» بملامح اقتصادية وأمنية، واستمرار هذا النهج في ظلّ احتقان اجتماعي ينذر بانفجار، يثبت أنّ النظام يفضّل التضحية بمستقبل الشعب المغربي من أجل الحفاظ على توازناته السّياسية المشروخة.



