حـاور “الآخــر” الحضــاري مــن موقـــع النـد والاعتزاز بالــذات
مولود قاسم نايت بلقاسم، رجل فكر بامتياز، لكنه تعامل معه كأداة اشتباك حضاري في عالم تتنازع فيه الأمم على الرموز والتمثلات بقدر تنازعها على المصالح، انشغل بمسألة حضور الجزائر في التاريخ باعتبارها فاعلاً حضارياً يمتلك مقومات الاستمرار والتجدد. ومن هنا، جاء خطابه مشدوداً إلى فكرة الاستقلال الثقافي، وساعياً إلى تفكيك أنماط التبعية الذهنية التي أعاقت تشكل وعي وطني متوازن بعد الاستعمار.
تمثل شخصية مولود بن محند أوسعيد نايت بلقاسم ظاهرة فكرية ونضالية فريدة في تاريخ الجزائر المعاصر، حيث انطلق من قرية بلعيال التابعة لآيت عباس بدائرة أقبو في ولاية بجاية، حيث ولد في السادس من جانفي عام 1927.
نشأ في بيئة ريفية كانت تقدس العلم والعلماء، وبدأ مشواره التعليمي في المسجد العتيق بقريته، حيث تشرب مبادئ اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم، وهي اللبنة الأولى التي شكلت وجدانه الديني واللغوي قبل أن ينتقل إلى زاوية سيدي يحيى العيدلي ثم زاوية تمقرة، اللتين كانتا بمثابة منارات علمية حصنت هويته الثقافية في ظل ليل الاستعمار الفرنسي.
المسار التعليمي لنايت بلقاسم يعكس طموحاً معرفياً عابراً للحدود؛ فقد التحق بمدرسة التربية والتعليم التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مما ربطه مبكراً بمدرسة الشيخ عبد الحميد بن باديس الإصلاحية. وفي عام 1946، غادر الجزائر نحو تونس ليلتحق بجامع الزيتونة، حيث بدأ يمزج بين التحصيل العلمي والنشاط السياسي، فكان مسؤولاً في اتحاد حزب الشعب الجزائري للطلبة حتى عام 1949.
هذه المرحلة التونسية كانت حاسمة في صقل شخصيته القيادية وتوسيع مداركه الفكرية حول قضايا الوحدة الإسلامية.
بعد تخرجه من الزيتونة، انتقل إلى القاهرة حيث أثبت تفوقاً أكاديمياً باهراً مكنه من الحصول على الرتبة الأولى في دفعته، وهو ما مهد له الطريق للبعثات العلمية الأوروبية. وفي عام 1954، استقر في باريس للتسجيل في دبلوم الدراسات العليا بجامعة السوربون، وكان موضوعه البحثي “الحرية عند المعتزلة”، وهو اختيار ينم عن اهتمام مبكر بمباحث العقل والحرية في التراث الإسلامي، غير أن اندلاع الثورة التحريرية واستجابة الطلبة لنداء الإضراب التاريخي عام 1956 جعلته يضحي بطموحه الأكاديمي الشخصي؛ فترك مشروع الدكتوراه تلبية لنداء الوطن، وهو موقف تكرر لاحقاً في تشيكوسلوفاكيا وألمانيا.
مفكر في خنادق السياسة
كان مولود قاسم مناضلاً دبلوماسياً استثنائياً استثمر ذكاءه وموسوعيته اللغوية لخدمة الثورة الجزائرية، فبعد مغادرته باريس بسبب مضايقات الشرطة الفرنسية، انتقل إلى براغ حيث مكث ستة أشهر لدراسة الفلسفة، لكنه لم يجد ضالته هناك بسبب هيمنة المنهج الماركسي الأحادي، فانتقل إلى ألمانيا الغربية.
في ألمانيا، عين نائباً لرئيس وفد جبهة التحرير الوطني تحت قيادة الدكتور محمد الأمين دباغين، ولعب دوراً محورياً في إيصال صوت الثورة إلى الرأي العام الأوروبي.
إتقان نايت بلقاسم لعدة لغات (العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الألمانية، السويدية، التشيكية) جعل منه صوتاً قوياً للجزائر في المحافل الدولية، وقد تجلى هذا الدور بوضوح عندما كلفه سعد دحلب أثناء مفاوضات إيفيان بإعداد رد تاريخي وقانوني مفحم على المفاوض الفرنسي “جوكس” الذي كان يزعم أن الصحراء لا علاقة لها بالجزائر؛ فقدم نايت بلقاسم دراسة موثقة أثبتت السيادة الجزائرية التاريخية على كامل التراب الوطني. هذا النوع من “النضال بالوثائق” كان السمة البارزة لمسيرته، حيث كان يرفض أي تشكيك في كيان الدولة الجزائرية التاريخي.
أصدر في هذه الفترة كتابه الشهير “الجزائر” باللغة الألمانية في بون عام 1957، وهو عمل إعلامي وتاريخي كان يهدف إلى شرح جذور الصراع وحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره.
ساهمت هذه الجهود في كسر الحصار الإعلامي الفرنسي وفي بناء جسور التواصل مع النخب الفكرية في أوروبا الوسطى والشمالية، مما جعل القضية الجزائرية حاضرة في الوجدان العالمي كقضية تحرر وطني عادلة وليست مجرد تمرد داخلي كما كانت تزعم الدعاية الاستعمارية.
فلسفة الإنية الجزائرية
تعتبر فلسفة “الإنية” الإسهام الأبرز لمولود قاسم في الحقل الفكري العربي المعاصر، لقد رفض استخدام مصطلح “الهوية” الذي يراه ترجمة قاصرة ومقلدة للفظ الأوروبي (Identité)، وفضل عليه مصطلح “الإنية” المستمد من التراث الفلسفي لابن سينا.
الإنية في منظوره هي “الوعي الحاد بالذاتية والشخصية” الذي يجعل الأمة تمتلك حضوراً متميزاً وحيوياً في التاريخ.
تقوم الإنية الجزائرية عند نايت بلقاسم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: الإسلام كعقيدة وقيم، اللغة العربية كلسان حضاري، والتاريخ كذاكرة سيادية. كان يرى أن الاستعمار الفرنسي -الذي سماه “الاستدمار”- مارس سياسة “الفسخ والمسخ والنسخ” ضد مقومات الشعب الجزائري، ولذلك فإن استعادة الإنية تتطلب العودة إلى هذه الأصول وتطهيرها مما علق بها من تشويه. ومن هنا جاءت قاعدته الفكرية الشهيرة: “على الإنسان أن يكون ابن عصره، مع البقاء على أديم مصره، ودون أن يصبح نسخة لغيره”.
إن الفرق الجوهري بين الهوية والإنية لديه يكمن في الحضور والتميز؛ فالإنية توحي بنوع من “أنا-هنا-كذا”، أي الوجود الفاعل والمتميز عن “الآخر”. وقد حاول نايت بلقاسم من خلال هذا المفهوم بناء نظرية متكاملة للنهضة ترفض التغريب الأعمى كما ترفض الانغلاق السلفي المتحجر، داعياً إلى حداثة أصيلة تستمد قوتها من المرجعية العقائدية والذاتية المصطفاة.
مرافعة تاريخية عن “شخصية الجزائر الدولية”
ترك مولود قاسم نايت بلقاسم وراءه رصيداً فكرياً كثيفاً شكّل، في مجمله، مرافعة تاريخية وحضارية صلبة دفاعاً عن الجزائر في وجه محاولات الطمس والتشويه، فقد اتسمت مؤلفاته بنبرة هجومية واعية، مسنودة بالوثيقة والمعطى التاريخي الدقيق، كانت غايتها الرد المنهجي على الخطابات الاستعمارية وما تفرع عنها من تصورات انتقاصية لكيان الدولة الجزائرية وتاريخها.
في هذا السياق، برز كتابه «شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830» في جزأين كأحد أهم أعماله المرجعية، إذ قدم من خلاله عرضاً موثقاً لمكانة الجزائر البحرية والدبلوماسية قبل الاحتلال الفرنسي، مستحضراً شبكة واسعة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي ربطت الجزائر بقوى كبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة ودول أوروبية متعددة، في رد علمي مباشر على الادعاءات التي صورت الجزائر كدولة “فتية” بلا جذور سيادية. وإلى جانب هذا العمل، جاء كتاب «إنية وأصالة» ليجمع مقالاته ومحاضراته التي عكست انشغاله بتنقية الوعي الديني من الخرافات والدفاع عن اللغة العربية باعتبارها وعاءً معرفياً وحضارياً لا غنى عنه في مشروع النهضة. كما تناول في كتاب «أصالية أم انفصالية؟» إشكالات الهوية والعدالة الاجتماعية من منظور إسلامي، مجادلاً في القضايا الخلافية التي أثيرت حول الشخصية الوطنية، ومؤكداً على الترابط العميق بين العروبة والإسلام في التكوين التاريخي للجزائر. أما في «ردود الفعل الأولية على غرة نوفمبر (مآثر فاتح نوفمبر)»، فقد انصرف إلى تتبع صدى اندلاع الثورة التحريرية في الساحة الدولية، مبرزاً كيف أعاد الكفاح المسلح للجزائر حضورها وهيبتها في الوعي العالمي، كحركة تحرر وطني ذات شرعية تاريخية وسياسية.
تتجلى القيمة العلمية لهذه المؤلفات في موسوعيتها؛ حيث كان يوظف معرفته باللغات الأجنبية للاستشهاد بمصادر ألمانية ولاتينية وسويدية لدعم حججه التاريخية. كما أن أسلوبه كان يتسم بـ “الزئير” الفكري؛ حيث يشعر القارئ بصدق نبرته وحدته في الدفاع عن قيم الأمة، مما جعل كتبه مراجع لا يستغنى عنها للباحثين في التاريخ السياسي والحضاري للجزائر.
حوار الحضارات وبناء الأمن الثقافي
شكلت فترة تولي مولود قاسم لوزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية (1970-1977) مرحلة ذهبية للنشاط الفكري في الجزائر، حيث أشرف على تنظيم “ملتقيات الفكر الإسلامي” السنوية التي أصبحت تظاهرة عالمية.
كانت هذه الملتقيات منصات لحوار الحضارات والأفكار، حيث جمعت بين علماء المسلمين والمستشرقين الغربيين.
استضافت هذه الملتقيات قامات فكرية كبرى، كما تميزت بحضور مستشرقين كالألمانية زيغريد هونكه ومانفريد فلايشهامر، مما عكس رغبة نايت بلقاسم في محاورة “الآخر” الحضاري من موقع الند والاعتزاز بالذات.
كان الهدف الاستراتيجي لهذه الملتقيات هو إبراز مساهمة الجزائر في الحضارة الإسلامية وترسيخ مقومات الهوية لدى الشباب لمواجهة موجات التغريب.
السيادة اللغوية كواجب وطني
خاض مولود قاسم معركة شرسة لتعميم استعمال اللغة العربية، مؤمناً بأن “اللغة هي رمز وجود الأمة” وبقدر أصالتها تكون المجموعة البشرية أمة حقيقية. ورغم أصوله الأمازيغية، إلا أنه كان المدافع الأول عن العربية، رافضاً النظريات البعثية التي تجعل اللغة ديناً، إذ رآها وعاءً حضارياً يحمي المجتمع من التفكك.
أسس مشروع “التعليم الأصلي” كتعليم موازٍ للتعليم العام، يهدف إلى إعطاء فرصة ثانية للتلاميذ وإعادة الاعتبار للثقافة الإسلامية والعربية في المناهج. شهد هذا التعليم نجاحاً باهراً وإقبالاً كبيراً في السبعينيات، لكنه واجه صعوبات أدت إلى إلغائه سنة 1976 وإدماجه في المنظومة التربوية العامة.
كان نايت بلقاسم صارماً في ممارسته الرسمية؛ فقد رفض التوقيع على أي وثيقة بالفرنسية، وألزم موظفي وزارته باستخدام الآلة الراقنة العربية حصراً لضمان سلامة المعاني.
الاعتزاز بالأصل والوفاء للانتماء
تمثل شخصية نايت بلقاسم نموذجاً فريداً للتصالح مع الذات؛ فهو الأمازيغي الذي خدم العربية كما لم يخدمها أحد، والمعتز بأصله الأمازيغي الذي دعا الجزائريين للافتخار بأجدادهم كطارق بن زياد ويوغرطة. لقد سمى ابنه الأكبر “يوغرطة” واعتبره أعظم ملوك الجزائر، وهو ما أثار حساسية لدى الرئاسة في عهد بومدين، لكنه لم يتراجع عن موقفه.
كان يرى أن الدفاع عن العروبة لا يتناقض مع الأصول الأمازيغية، فهما مكونان لـ “إنية” واحدة صهرها الإسلام والتاريخ المشترك.
لقد كان يبحث عن “خط توفيقي” يجمع بين الأصالة العميقة والانفتاح العالمي، معتبراً أن الجزائر العريقة يجب أن تحافظ على تقاليدها وهي تسعى نحو الحداثة والعصرنة.
رحيل “الموسوعة” وبقاء المبدأ
توفي مولود قاسم نايت بلقاسم في 27 أوت 1992، مخلفاً وراءه إرثاً فكرياً ونضالياً لا يقدر بثمن. لقد كان حالة مركبة نادرة؛ وزيراً ناجحاً، ومفكراً لامعاً، ومناضلاً لم يقبل الامتيازات نظير كفاحه، وكان يقول دائماً إن خدمة الجزائر واجب وطني لا يتقاضى عليه مقابلاً.
تميّزت شخصية مولود قاسم نايت بلقاسم بقدر كبير من الصراحة الفكرية والحدة في الموقف، وهي صفات جعلته بعيداً عن الحسابات الضيقة والمجاملات، فقد كان يعبّر عن قناعاته بوضوح مباشر، سواء في كتاباته أو خطاباته أو ممارساته الرسمية، واضعاً المبادئ فوق الاعتبارات الظرفية.
وقد أفضت هذه الصراحة إلى تراكم خصومات فكرية مع تيارات متعددة، رأت في مواقفه تهديداً لمصالحها أو تشويشاً على مشاريعها الإيديولوجية، إلا أن تلك كانت علامة على أن خطابه يصيب جوهر الإشكال ويكشف مناطق مسكوتاً عنها. لذلك واصل الدفاع عن تصوراته حول السيادة الثقافية واللغوية، وعن مركزية القيم في بناء الدولة والمجتمع، حتى حين كلفه ذلك الإقصاء أو التهميش.ورغم قسوة المواجهات وتبدل السياقات السياسية، بقي مولود قاسم ثابتاً على خطه الفكري، رافضاً الاستسلام أو الانكسار في أي مرحلة من مراحل نضاله، فقد تعامل مع الصعوبات بوصفها جزءاً طبيعياً من معركة الوعي، لا مبرراً للتنازل أو الصمت.
ومن هنا، تتجلى قوة شخصيته في قدرته على الصمود والاستمرار، وفي إيمانه العميق بأن الدفاع عن المبادئ مسؤولية تاريخية، وأن الخسارة الحقيقية هي في التفريط في القيم التي تمنح للإنسان معنى وجوده ودوره.
وتظل سيرة مولود قاسم مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن الأوطان تبنى بالوعي والقيم والمعنى، وأن المثقف الحقيقي هو من يتحمل مسؤولية المساهمة في الحل لا الاكتفاء بالتشخيص.
لقد أثبت في كل منصب شغله ولاءه المطلق للجزائر، محققاً نجاحات باهرة جعلت منه رمزاً للعالم العربي والإسلامي في تاريخه وحضارته. سيبقى “سي مولود” في الذاكرة الجمعية الجزائرية كالفيلسوف الذي زأر دفاعاً عن “إنية” شعبه، والمؤرخ الذي استعاد “هيبة” دولته من ركام التزييف الاستعماري.






