مقاربـة شاملـة قائمـة علـى الإعمـار والتنمية
يمثل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء أحد أبرز الرهانات الإستراتيجية للجزائر، فهذا المشروع الطاقوي العابر للحدود، بمثابة رافعة حقيقية للتنمية، والتكامل الإفريقي، وتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل. فبين أبعاده الاقتصادية، والجيوسياسية، ورهانه التنموي، يكرس هذا المشروع رؤية جزائرية شاملة تقوم على الربط بين الأمن والتنمية، وتحويل الجغرافيا إلى فرصة، ومن الحدود إلى فضاء للتكامل والتعاون الإقليمي.
يؤكد الأستاذ الدكتور حاكمي بوحفص من جامعة وهران، في قراءة دقيقة ومستفيضة لزيارة وزير الدولة، وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب الأخيرة إلى النيجر أنها تكتسي أهمية بالغة في سياق تعزيز التعاون الطاقوي الثنائي على عدة أصعدة، لاسيما فيما يتعلق بمشروع أنبوب الغاز القاري، الذي يحمل أبعادا ودلالات إستراتيجية متعددة. وأوضح أن مشروع أنبوب لاغوس- النيجر- الجزائر يعكس بعدا إفريقيا واضحا، ويجسد حرص الجزائر على إنجاز هذا المشروع الحيوي بخبرتها الاحترافية الطويلة والممتدة لأكثر من ستة عقود كاملة، وبنيتها التحتية المتينة والمتطورة والضخمة، بالنظر إلى مكانته الإستراتيجية في تعزيز الأمن الطاقوي الإقليمي. وبحسب المعطيات الأولية والقراءات المتوفرة، فإن الأشطر الأخيرة من هذا المشروع الهام باتت قريبة من الاكتمال. والجزائر ماضية رفقة شركائها في استكمال ما تبقى من المشروع الهام والذي يعد إضافة طاقوية قيمة لسوق الطاقة العالمي.
تنمية شاملة بالجنوب
اعتبر الخبير حاكمي بوحفص أن هذا المشروع الاستراتيجي يعد بالنسبة للجزائر مشروعا سياديا بامتياز، يعكس الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة، لا سيما في بعدها الدبلوماسي، من خلال المقاربة التنموية لحدودها وتعزيز حضورها في عمقها الإفريقي.
وأوضح أن المشروع يكرس دور الجزائر كقطب محوري في مسار التنمية والتكامل الاقتصادي على مستوى القارة الإفريقية عموما، وفي منطقة الساحل على وجه الخصوص. كما تبرز آثاره الاقتصادية الكبيرة في دعمه للتواجد التنموي الجزائري على حدود البلاد الجنوبية، وترسيخه لمقاربة متكاملة تجمع بين البعدين التنموي والأمني التي تنتهجها الجزائر. وكما يأتي هذا المشروع منسجما مع رؤية الجزائر الرامية إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي عبر توسيع التعاون الاقتصادي الإفريقي، لاسيما في إطار انضمامها إلى منطقة التجارة الإفريقية الحرة «زليكاف»، بما يدعم مسار التكامل بين دول القارة في هذا الفضاء الاقتصادي المشترك.
وأكد الدكتور الجامعي أن أنبوب الغاز من شأنه تنشيط التجارة البينية بين الدول المعنية، وخفض التكاليف المرتبطة بالنقل، إلى جانب دعمه للجانب اللوجستي في التجارة الدولية. وأوضح أن لهذا المشروع أبعادا استراتيجية متعددة، إذ يتيح ربط الجزائر بمبادرات اقتصادية كبرى. وفي حال استكماله، يمكن للخط أن يسهم في تعزيز المبادلات التجارية بين الدول الإفريقية، لاسيما في منطقة الساحل، انسجاما مع رؤية الجزائر لتنويع المنتوج الوطني وفتح أسواق جديدة في الجوار الإفريقي للمنتجات الجزائرية، دعما لمخرجات معرض التجارة البينية الإفريقية. كما يتيح المشروع إدماج الجزائر في سلاسل القيمة والتوريد العالمية، ويمنح المناطق الصحراوية الحدودية بعدا اقتصاديا جديدا يحولها إلى فضاءات تنموية، بما يقلص الفوارق الجهوية ويكرس تنمية متوازنة وشاملة بين الشمال والجنوب.
مقاربة تنموية أمنية
ويتوقع الخبير أن تمكن الرؤية الإستراتيجية لهذا المشروع من إقامة بنية تحتية متكاملة تسهم في إعمار المنطقة وتعزيز تنميتها، بما يجعلها أداة فعالة لمراقبة الحدود وتنمية وإعمار الصحراء الشاسعة. كما أن إنجاز المشروع وتعمير هذه المناطق من شأنه أن يدعم جهود مكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية، من خلال الانتقال من مقاربة أمنية خالصة إلى مقاربة شاملة قائمة على الإعمار والتنمية، وهي عوامل أساسية يتيحها هذا المشروع الاستراتيجي.
وخلص الخبير إلى القول أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، يتجاوز كونه بنية طاقوية عابرة للحدود ليرسخ رؤية جزائرية شاملة تراهن على الربط بين التنمية والأمن، وعلى تحويل العمق الإفريقي إلى فضاء للتكامل الاقتصادي والاستقرار المستدام. وعلى ضوء هذا المشروع، تؤكد الجزائر مكانتها كفاعل محوري في محيطها الإقليمي والقاري، وتسعى إلى بناء نموذج تنموي قائم على التعاون والشراكة. وبين رهانات الطاقة، وآفاق التجارة البينية، وتنمية المناطق الحدودية، يظل الأنبوب رهانا استراتيجيا يكرس دور الجزائر كجسر اقتصادي بين إفريقيا والعالم، وخيارا طويل المدى لتعزيز التنمية الشاملة والمتوازنة.
جدير بالذكر أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، مشروع طموح يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا عبر النيجر إلى الجزائر، ثم إلى أوروبا عبر البنية التحتية القائمة، على امتداد طول يزيد على 4000 كم، وينتظر أن ينقل ما بين 20 إلى 30 مليار متر مكعب سنويا. وهذا المشروع الاستراتيجي الذي يربط ثلاث بلدان إفريقية، يعكس إرادة البلدان الثلاثة «الجزائر ونيجيريا والنيجر» في تعزيز أمن الطاقة والتعاون الإقليمي، وفي نفس الوقت يستفيد من الخبرة الجزائرية في نقل الغاز إلى القارة الأوروبية عبر خطوط أنابيب متوفرة من حاسي رمل إلى أوروبا.





