آليـات مبتكرة لتقليــل التكاليــف وضمــان استمراريـة المشاريــع
يأتي لقاء وزير المحروقات والمناجم بالرئيس التنفيذي لمجمع “أبونيان” القابضة السعودية في إطار تعزيز التعاون بين الجزائر والسعودية، خاصة في مجال تحلية مياه البحر، ويعكس هذا اللقاء اهتمام الدولة بتطوير هذا القطاع الحيوي، كحل عملي لمواجهة نقص المياه وتراجع المخزون الجوفي، وضمان تزويد المواطنين بالمياه بشكل منتظم في مختلف المناطق.
قال أستاذ الاقتصاد الدولي نصر الدين ساري في تصريح لـ “الشعب”، إن استقبال وزير المحروقات والمناجم للرئيس التنفيذي لمجمع أبونيان القابضة السعودية يأتي في سياق التعاون الثنائي الاستراتيجي بين البلدين، ليعكس تحول مشاريع تحلية مياه البحر إلى أحد المحاور الاستراتيجية في السياسة الاقتصادية والمائية للجزائر.
وأضاف في ذات السياق، البرنامج الوطني لتحلية مياه البحر الذي يستهدف تغطية نحو 62 بالمائة من الحاجيات الوطنية لمياه الشرب خارج المياه الجوفية، يمثل انتقالا عمليا نحو نمط تسيير مستدام للموارد المائية في ظل الضغوط المناخية وتراجع المخزون الجوفي للمياه.
وأوضح الخبير أن هذا التوجه لا يقتصر على تأمين التزويد بالمياه فقط إذ يعكس رؤية أوسع للأمن القومي بمفهومه الشامل، حيث أصبحت المياه عنصرا هاما في الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، وتوجه الدولة نحو إلزامية توزيع المياه المحلاة لمسافة تصل إلى 250 كيلومترا من السواحل خاصة نحو الهضاب العليا والمناطق الداخلية ذات الكثافة السكانية تعكس رغبة الدولة في تقليص الفوارق وضمان عدالة الوصول إلى الموارد الأساسية.
وأضاف، أن هذه السياسة ستساهم على المدى المتوسط والبعيد في تخفيف الضغط على الموارد المائية الجوفية، وحمايتها من الاستنزاف، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتراجع التساقطات، كما ستمكن من تأمين حاجيات المواطنين والفلاحين والصناعات الحيوية بصفة منتظمة، بما يعزز الاستقرار ويشجع على الاستثمار، ويكرس رؤية تنموية متوازنة تقوم على حسن تسيير الموارد وضمان استدامتها للأجيال القادمة.
أما من الناحية الاقتصادية، فيرى الاستاذ ساري، أن هذا التعاون يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى خبرة فرعه “ويتيكو” في إنجاز محطات تحلية داخل الجزائر ما يمنح هذا التعاون طابع عملي قائم على تجربة ميدانية سابقة، غير أن ما يهم بشكل كبير في هذا المسار هو ما عبرت عنه المجموعة السعودية من رغبة في توطين صناعة تجهيزات التحلية وعلى رأسها أغشية التحلية وهو ما ينسجم مع توجه الجزائر نحو رفع نسب الإدماج المحلي وتقليص التبعية للاستيراد في القطاعات الاستراتيجية.
وتابع الخبير: “توطين هذه الصناعات يفتح آفاق جديدة أمام بناء نسيج صناعي مرتبط بقطاع المياه يمتد من تصنيع المعدات إلى الصيانة والهندسة والخدمات التقنية، بما يساهم في خلق قيمة مضافة محلية ومناصب عمل نوعية، كما أن ربط تحلية المياه بالبنى التحتية الطاقوية والصناعية خاصة مع اشراك مجمع سوناطراك والشركة الجزائرية لتحلية المياه، يعكس مقاربة تكاملية تهدف إلى التحكم في سلاسل الإنتاج والخدمات”.
وفي هذا الإطار، أوضح استاذ الاقتصاد أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى جعل قطاع تحلية المياه رافدا حقيقيا للاقتصاد الوطني، من خلال الاعتماد على القدرات المحلية في التصنيع والصيانة والخدمات، كما أن التعاون يسمح بتحسين التنسيق، وتقليل التكاليف، وضمان استمرارية المشاريع، بما يساهم في توفير المياه بشكل منتظم وخلق فرص عمل ودعم التنمية بشكل عام.
وقال أيضا، ان هذا اللقاء يعكس توجه الجزائر نحو ابرام شراكات نوعية تقوم على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وتعزيز السيادة الاقتصادية بدل الاكتفاء بالاستيراد، وتحلية مياه البحر في هذا السياق لم تعد مجرد خيار تقني لمواجهة العجز المائي بل أصبحت ركيزة استراتيجية لإعادة تشكيل نموذج التنمية وضمان أمن مائي يخدم الأجيال القادمة.
وأكد ختاما، أن هذا التوجه يبين سعي الدولة إلى الاعتماد أكثر على الخبرات الوطنية وتطوير مهاراتها، كما يساهم الاستثمار في تحلية مياه البحر في خلق فرص عمل وتنشيط قطاعات مرتبطة بالمياه والطاقة، بما يدعم الاستقرار الاجتماعي ويعزز التنمية المستدامة على المدى الطويل.





