حملت التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة بشائر خير طال انتظارها في ولاية معسكر، بعد سنوات عجاف من الإجهاد المائي الذي ألقى بظلاله الثقيلة على الموارد المائية الجوفية والسطحية بالمنطقة، وتزامن ذلك مع تحركات ميدانية حثيثة من السلطات الولائية لإصلاح الاختلالات الهيكلية، وفق خارطة طريق إستراتيجية تهدف إلى طي صفحة “أزمة المياه” بصفة نهائية، مستندة إلى ثنائية ذكية تجمع بين انتعاش السدود وإطلاق مشاريع تقنية كبرى.
أكد مدير الري لولاية معسكر، عبد العزيز الطيب، أن الولاية تجاوزت مرحلة الخطر وتعيش اليوم حالة من الارتياح التقني والميداني، حيث ساهمت الأمطار الأخيرة، التي تجاوزت في ذروتها 60 ملم، في تغيير ملامح المخزون المائي، مشيرا أن سد وادي التحت حقق امتلاءا غير مسبوق بوصوله إلى نسبة قياسية بلغت 100%، وهو ما يعادل 7 ملايين متر مكعب من المياه الصالحة للاستغلال المباشر.
وامتد هذا الانتعاش، ليشمل أحد أهم منشآت الموارد المائية للولاية، حيث قفزت نسبة الامتلاء في سد بوحنيفية إلى مستويات “مطمئنة” أعادت الثقة للفلاحين والمواطنين على حد سواء، كونه يمثل شريان الحياة لعمليات الري ومياه الشرب، إضافة إلى سد ويزرت الذي استفاد من خيرات المنخفضات الجوية الأخيرة، مسجلاً انتعاشاً ملحوظاً سيساهم بشكل مباشر في تخفيف الضغط الرهيب الذي كان مفروضاً على الآبار الارتوازية والمصادر التقليدية التي استنزفت خلال سنوات الجفاف.
وعلى جبهة أخرى، وفي إطار الحلول الهيكلية بعيدة المدى، وضعت السلطات الولائية معالجة ملف “مياه البحر المحلاة” على رأس أولوياتها، فقد كشفت التقارير الأخيرة عن خطة طموحة لتجاوز “كابوس الأعطاب” الذي حرم عدة بلديات من حصتها المائية لعدة أشهر، نتيجة التحدي الأكبر الكامن في قناة جلب المياه الحالية التي تعاني من اهتراء شبه كلي، مما جعلها عاجزة عن تحمل ضغط تدفق 100 ألف م³ يوميا.
ولربح رهان الوقت، اتخذت السلطات الولائية قراراً شجاعاً بتحمل تكاليف الدراسة التقنية لمشروع ازدواجية قناة جر مياه البحر على مسافة 30 كيلومتر، هذا المشروع، المرتقب انطلاقه خلال العام الجاري، لا يهدف فقط إلى تأمين التدفق، بل إلى إحداث “مرونة هيدروليكية” تسمح بحشد كميات إضافية وضمان وصولها إلى أبعد نقطة في الولاية دون تسربات أو انقطاعات فنية.
وضمن هذه الإستراتيجية الشاملة، لم تغفل السلطات خصوصية البلديات الأكثر تضررا من تذبذب التموين بمياه الشرب، حيث تم إطلاق مشروع ضخم يهدف إلى توصيل بلدية تيغنيف بشبكة الماء الشروب المحلى.
وهو المشروع الذي سيعيد الاستقرار لمنظومة التوزيع في هذه المنطقة الحيوية، وفي ذات السياق، تجري الجهود لربط بلدية المحمدية بمصادر تموين متنوعة وجديدة، لضمان تنويع مصادر الجلب وعدم الارتباط بمصدر واحد، مما يوفر أكبر قدر ممكن من هذه المادة الحيوية لساكنة الجماعات المحلية.




