تؤكد التجربة المعاصرة أن الرقمنة أصبحت رهانا أساسيا في تدوين وحماية الذاكرة المسرحية، في ظلّ ما يواجهه هذا الفن “الآني” من هشاشة، فهي تتيح حفظ التجارب، وتيسير البحث، وتعزيز التواصل بين الماضي والحاضر، دون أن تلغي جوهر المسرح كفن قائم على الحضور الحي. وعليه، فإن الاستثمار في الرقمنة، ضمن سياسات ثقافية واضحة ومؤسسات متخصّصة، يشكّل خطوة ضرورية لصون الذاكرة المسرحية وترسيخها بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية الجماعية.
يتميّز المسرح بكونه فنّا حيّا يقوم على الحضور الآني والتفاعل المباشر بين الممثلين والجمهور، وهو ما يمنحه فرادته الجمالية، لكنه في الوقت ذاته يجعله من أكثر الفنون عرضة للاندثار. فالعمل المسرحي لا يخلّف، في جوهره، أثرا ماديا دائما، بل يعيش في زمن العرض ثم ينقضي، ولا يبقى منه سوى الشهادات المكتوبة أو الشفوية، والصور، وبعض التسجيلات إن وُجدت. وقد أدى هذا الطابع الزمني إلى ضياع عدد كبير من التجارب المسرحية، خاصة في السياقات التي تعاني من ضعف التقاليد الأرشيفية والمؤسسات الثقافية.
وتتجلى هشاشة الذاكرة المسرحية في مظاهر متعدّدة، من بينها تلف النصوص المسرحية غير المنشورة، وضياع تسجيلات العروض، وغياب توثيق السينوغرافيا والأداء التمثيلي، فضلا عن اندثار الشهادات الحيّة للفنانين الرواد. كما أن الاعتماد المفرط على الأرشيف الورقي، في ظلّ ظروف حفظ غير ملائمة، أسهم في تآكل جزء معتبر من الذاكرة المسرحية، ما انعكس سلبا على البحث الأكاديمي وكتابة التاريخ المسرحي.
من الزوال إلى الاستدامة
أمام هذا الوضع، باتت رقمنة ذاكرة المسرح ضرورة ملحة لتجاوز الطبيعة الزائلة للفنون الأدائية؛ فالمسرح، هذا الفن الحي الذي ينتهي بانتهاء لحظة العرض، يواجه تحدي الاندثار الذي يهدّد الهوية الثقافية للمجتمعات.
تتضمّن رقمنة الذاكرة المسرحية تحويل الآثار المادية والعابرة للعروض الحيّة (تسجيلات الفيديو، الصور، ملفات الإنتاج، المخطوطات) إلى صيغ رقمية دائمة، ويتيح ذلك حفظ التراث المسرحي وأرشفته ونشره، محوّلا الفن الحي إلى بيانات قابلة للبحث والتحليل. ولا يقتصر محتوى الذاكرة الرقمية على العرض النهائي (مقاطع الفيديو)، بل يشمل أيضا العملية الإبداعية (رسائل البريد الإلكتروني، دفاتر المخرج، الرسومات الرقمية) ونشرها (المواقع الإلكترونية، المراجعات).
وتهدف عملية الرقمنة إلى استبقاء “الأثر المسرحي” من خلال تحويل الإيماءات، والنصوص، وتصاميم الإضاءة، والأصوات إلى بيانات رقمية قابلة للحفظ والمشاركة، ولا تقتصر هذه العملية على مجرد التسجيل المرئي، بل تمتد لتشمل بناء أرشيف ديناميكي يربط بين التاريخ العريق للمسارح وبين التكنولوجيا الحديثة، ما يسمح للباحثين والفنانين بالوصول إلى تفاصيل دقيقة كانت تضيع بمجرد إسدال الستار.
وتتجسّد هذه الذاكرة الرقمية في منظومة متكاملة من العمليات التي تبدأ من تحويل المخطوطات الورقية النادرة والصور الفوتوغرافية القديمة إلى صيغ إلكترونية عالية الجودة، وصولا إلى بناء منصات تفاعلية تتيح للجمهور استكشاف كواليس العمل المسرحي. هذا التحوّل الرقمي يسعى إلى خلق “متحف افتراضي للمسرح”، حيث لا يتمّ تخزين المواد بشكل سلبي، بل يتمّ تفعيلها عبر أدوات البحث الذكية التي تربط بين العروض المختلفة بناءً على المدارس الفنية أو المخرجين، ما يجعل الذاكرة المسرحية مادة حيّة قابلة للاسترجاع وإعادة التفسير في سياقات معاصرة.
ثورة التكنولوجيا في توثيق الفضاء المسرحي
وفي إطار التطوّر التكنولوجي المتسارع، انتقلت أدوات التوثيق من الكاميرا التقليدية إلى تقنيات المسح الليزري ثلاثي الأبعاد (Lidar) والنمذجة الرقمية، حيث تُستخدم هذه الأدوات لمسح خشبات المسرح والديكورات بدقة متناهية، ما يسمح بإعادة بناء الفضاء المسرحي افتراضيا بكامل أبعاده. هذه التقنية لا تحفظ شكل الديكور فحسب، بل تحفظ أيضا العلاقة الهندسية بين الممثل والفضاء، مما يوفر مادة أرشيفية مذهلة تٌمكّن المخرجين المستقبليين من دراسة تقنيات الإخراج التاريخية داخل بيئة افتراضية تحاكي الواقع تماما.
وتلعب تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) دورا محوريا في إحياء هذه الذاكرة. فبدلا من مشاهدة تسجيل فيديو مسطح لعرض من القرن الماضي، يمكن للمستخدم ارتداء نظارات الواقع الافتراضي ليجد نفسه في قلب العرض المسرحي، محاطا بالممثلين وبزاوية رؤية 360 درجة. ويعيد هذا النوع من “الرقمنة الغامرة” بناء التجربة الحسية للمسرح، حيث تدمج التقنيات الصوتية المعتمدة على الصوت المحيطي (Ambisonics) لتنقل للمشاهد صدى القاعة وتفاعل الجمهور، مما يجعل عملية الأرشفة تجربة حية تعيد إنتاج العاطفة المسرحية ولا تكتفي بنقل صورتها الباردة.
أما على صعيد تحليل البيانات الضخمة، فقد دخل الذكاء الاصطناعي كأداة أساسية في معالجة ذاكرة المسرح، إذ صار باستطاعة خوارزميات التعلم العميق تحليل آلاف الساعات من التسجيلات القديمة للتعرف على أنماط الحركة وتعبيرات الوجه للأجيال السابقة من الممثلين، بل وتقوم بترميز الحركات آليا لتسهيل البحث عنها (مثل البحث عن “مشاهد الغضب” أو “حركات الكوميديا ديلارتي”). ويمكن لدمج هذه الأدوات المتطورة في صلب العمل المسرحي أن يحوّل الأرشيف من مخزن للملفات إلى مختبر للإبداع، حيث تصبح رقمنة الذاكرة هي الجسر الذي يربط إرث الماضي بتطلعات مسرح المستقبل، مع ضمان استمرارية هذا الفن العريق في العصر الرقمي.
الذاكرة الرقمية وإشكالية “الأصالة”
يطرح التحوّل نحو الرقمنة الغامرة تساؤلات نقدية عميقة حول مفهوم “الأصالة” في الفن المسرحي، فالمسرح يقوم جوهريا على “الحدث الحي” واللقاء الجسدي المباشر بين الممثل والجمهور في وحدة زمنية ومكانية واحدة. وحين يتم تفكيك هذا اللقاء وتحويله إلى بيانات رقمية أو تجارب عبر الواقع الافتراضي، فإننا نواجه خطر اختزال المسرح في “منتج استهلاكي” منزوع الروح.
ويرى نقاد هذا التوجّه أن الذاكرة الرقمية، مهما بلغت دقتها التقنية، تظل “ذاكرة انتقائية” محكومة بزاوية الكاميرا أو قرارات المبرمج، ما قد يؤدي إلى طمس “تعددية الرؤية” التي يمتلكها المتفرج الحر داخل القاعة الحقيقية.
علاوة على ذلك، فإن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في تحليل وتوثيق أنماط الأداء يهدد بتحويل الإبداع الإنساني إلى معادلات رياضية جافة؛ حيث يتمّ تقييم “العاطفة” أو “الإيماءة” بناءً على خوارزميات قد تعجز عن إدراك المسكوت عنه أو الفراغات الشعورية التي يتركها الممثل عمدا كجزء من سحر الأداء.
وعليه، فإن رقمنة الذاكرة، رغم ضرورتها القصوى للحفظ التاريخي، قد تؤدي إلى نوع من “تجميد الممارسة”، حيث يُخشى أن يصبح الأرشيف الرقمي معيارا قسريا يحدّ من خيال الممثلين الجدد بدلا من أن يكون منطلقا لهم. بالتالي، يظلّ التحدي النقدي قائما في كيفية التعامل مع الأرشيف الرقمي كـ«وسيط” تفاعلي للاستئناس، لا كبديل نهائي عن التجربة الإنسانية الخام التي تظلّ عصية على الرقمنة الكاملة.
وكنوع من الحلول لهذه الإشكالية، تتبنى الفرق المسرحية الكبرى والمؤسسات الأكاديمية اليوم استراتيجيات مبتكرة لضمان بقاء “الروح المسرحية” حية خلف الشاشات والأكواد الرقمية، وذلك من خلال تجاوز مفهوم الأرشفة الساكنة نحو ما يُعرف بـ«الأرشفة الأدائية”. تعتمد هذه الحلول على دمج الفنانين أنفسهم في عملية الرقمنة، بحيث لا يقتصر التوثيق على تسجيل المنتج النهائي (العرض)، بل يمتد لتوثيق “النوايا الإخراجية” والعمليات الذهنية التي سبقت العرض عبر شهادات حية ومختبرات رقمية تفاعلية، ما يحفظ السياق الإنساني المحيط بالعمل.
ومن بين هذه الحلول، نذكر:
منهجية “الأثر المفتوح”: تلجأ فرق عالمية إلى إنشاء أرشيفات رقمية تتيح للمستخدم التدخل وتغيير زوايا الرؤية، ما يعيد للمتفرج الافتراضي قدرته على اختيار ما يشاهده، تماما كما يفعل في القاعة. هذا الحل التقني يكسر سلطة “الكاميرا الواحدة” ويمنح الذاكرة الرقمية نوعا من الحرية التي تميز الفعل المسرحي الحي.
^ الواقع المختلط(Mixed Reality) : بدلا من عزل المتفرج في واقع افتراضي كامل، يتمّ استخدام الواقع المعزز لدمج الأرشيف الرقمي داخل فضاءات مسرحية حقيقية. هذا يتيح للطلاب والممثلين رؤية “أشباح” العروض القديمة وهي تؤدي على خشبات المسرح الحالية، ما يحافظ على الارتباط بالمكان الجسدي الحقيقي
(The Physical Space) ويمنع انقطاع الصلة بالواقع.
^ بروتوكولات “البيانات الأخلاقية”: يتمّ حاليا صياغة مواثيق دولية تمنع استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة استنساخ أداء الممثلين دون موافقة فنية، وذلك لضمان عدم تحويل الأرشيف إلى أدوات لإنتاج عروض “آلية” تفتقر للصدق الشعوري. والهدف هو أن يظل الأرشيف أداة للتعلم والبحث، لا مصنعا لإعادة التدوير الآلي. وتؤكد هذه الحلول أن رقمنة الذاكرة لا تعني بالضرورة استبدال المسرح، بل تعني بناء “ذاكرة موازية” تغذي الخيال البشري وتوفر له المادة الخام للابتكار، مع التأكيد الدائم على أن اللقاء الحي يظلّ هو الأصل الذي لا يمكن تعويضه تقنيا.





