دعـم للباحثين والمبدعين وتجـاوز للحدود الجغرافية
يرى البروفيسور محمد العيد جلولي أنّ رقمنة الأرشيف المسرحي والتراث الثقافي أصبح أكثر من ضرورة، فلم تعد الرقمنة ترفا تقنيا أو صيحة تكنولوجية عابرة، بحكم أنّها صارت – واقعيا – مشروع إنقاذ للذاكرة، ذلك أن العرض المسرحي، لحظة عابرة، لصيق بمكان ومرتبط بزمان.
يقول جلولي في تصريح لـ “الشعب”، إنّ الرقمنة تحول المسرح من اللحظة العابرة إلى مادة محفوظة وقابلة للاسترجاع، بل قابلة أيضا للتحليل والدراسة والمشاهدة، كما أنّ عملية الرقمنة تساهم في بناء أرشيف مسرحي وطني رقمي، وتؤسّس لبناء بنك ذاكرة مسرح جزائري يضم كل النصوص المسرحية مطبوعة أو مخطوطة، كما يضم صور العروض والملصقات القديمة والتسجيلات الصوتية والمرئية، بالإضافة إلى كل المقابلات التي أجريت مع الممثلين والمخرجين والتقنيين والنقاد.
وعن مدى مساهمة الرقمنة في التعريف بالريبرتوار المسرحي الجزائري، يؤكّد البروفيسور جلولي أنّ عملية الرقمنة تسهم في التعريف بالفهرس المسرحي الجزائري، “فهي تحمي الذّاكرة من الضياع والاندثار، ذلك أن جزءا كبيرا من الذاكرة المسرحية الجزائرية مهدّد بالضياع نتيجة وفاة روّاد المسرح، وضياع النصوص، وتلف الأشرطة القديمة، وربما غياب التوثيق لكل المسرحيات السابقة، فالرقمنة تسمح بتحويل الأشرطة القديمة إلى صيغ رقمية، مع مسح النصوص ضوئيا وتخزينها في خوادم مؤمنة مع نسخ احتياطية، وكل ذلك يعني إنقاذ التراث المسرحي من الضّياع والاندثار”.
كما تسهم عملية الرّقمنة – حسب محدّثنا – في خدمة البحث الأكاديمي والنقد المسرحي، مشيرا إلى أنّها توفّر للباحثين المادة الخام للتحليل السيميائي ودراسة التمثيل والإخراج والسينوغرافيا، وتعتبر أيضا رافدا لدراسة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي واكبت تطور المجتمع الجزائري، وهكذا يتحول المسرح إلى وثيقة تاريخية وثقافية قابلة للمقاربة والتحليل العلمي.
وذكر المتحدّث أنّ الرقمنة تلعب دورا بارزا في إخراج المسرح الجزائري من جغرافيته الضيقة إلى فضاء العالمية، من خلال كسر الحدود المادية الضيقة، معتبرا نشر العروض على المنصات الرقمية، وترجمتها إلى اللغات الحية، ومشاركتها في أرشيفات ومهرجانات رقمية دولية، يسمح بتحويل المسرح من ذاكرة محلية إلى مكوّن من الذاكرة الثقافية العالمية، في إشارة منه إلى “أنّ الرقمنة في الأخير تربط الأجيال ببعضها البعض فلا تحدث تلك القطيعة المخيفة التي بدأنا نحس بها في واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي، فالشباب يعيشون إيقاع العصر بحضوره الرقمي من خلال المنصات الرقمية والتطبيقات المختلفة والمكتبات الالكترونية والهواتف الذكية واللوحات وغيرها”.
أمّا بالنسبة للآليات التي يمكن من خلالها استخدام الرقمنة لتوثيق العروض المسرحية، فاتّجه البروفيسور جلولي في حديثه بالتأكيد على أن استخدام الرقمنة في توثيق المسرح لا يتم بشكل عشوائي، بل يتحقق من خلال منظومة آليات تقنية وتنظيمية تجعل العرض المسرحي مادة قابلة للحفظ والدراسة، ويشمل ذلك التصوير متعدد الكاميرات والتسجيل الصوتي الاحترافي، والتوثيق السينوغرافي التقني، وغيرها من التقنيات المعروفة عند أهل الاختصاص.





