تُجسد الولاية الجديدة قصر البخاري الرؤية الاستشرافية لكي تنضم الجزائر لمصاف الدول النامية في العالم، وارتقائها في ظرف وجيز من دائرة إلى مقاطعة إدارية (ولاية منتدبة) ثم إلى ولاية، يُؤكد الرهان عليها لتكون أحد أبرز الأقطاب التنموية في المستقبل.
تحوّلت قصر البخاري دائرة إلى ولاية منتدبة بموجب قرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال ترأسه مجلس الوزراء في 22 ديسمبر 2024 بغرض تعميم الوتيرة التنموية وفق مبدأ الإنصاف في التكفل بانشغالات المواطنين واعتبارا للمقومات الجغرافية الاجتماعية والاقتصادية التي تحوز عليها والتي تؤهلها للارتقاء، ثم أصبحت القصر ولاية بموجب قرار مماثل في 16 نوفمبر 2025 مع مقاطعات أخرى تقع بمنطقة الهضاب العليا للبلاد.
ويندرج هذا القرار- بحسب المتتبعين- ضمن تخطيط للسلطات العليا في البلاد لأجل تسريع التنمية وفقا لتقسيم إداري واقليمي يضمن الإنعاش الاقتصادي المنشود بالموازاة مع تعديل قانون الجماعات المحلية (قانونا البلدية والولاية) الرامي لتجسيد الحكم الراشد وتدعيم اللامركزية والديمقراطية التشاركية.
عناية أكبر بمحور الهضاب
كما أن تحويل قصر البخاري إلى ولاية كاملة الصلاحية، ما هو إلا امتداد للعناية الكبيرة التي توليها الدولة لمحور الهضاب فهي تراهن عليه لتخفيف الضغط على الولايات الشمالية التي تعرف تشبعا بفعل تزايد الكثافة السكانية، والتي أصبحت تواجه مشكلة عدم توفر العقار سواء المخصص للعمران أو لإقامة أنشطة اقتصادية.
مقارنة بالمقاطعات الإدارية التي تمت ترقيتها إلى ولايات سابقا، فإن ما يُميز قصر البخاري أنها انفصلت عن الولاية الأكبر وطنيا من حيث عدد البلديات، ذلك أن المدية قبل آخر تقسيم إداري كانت تضم 64 بلدية موزعة على 19 دائرة وثلاثة مقاطعات إدارية وهي قصر البخاري، تابلاط وشلالة العذاورة، وشكل ذلك عبئا كبيرا على عاصمة التيطري من حيث التسيير.
ومنذ أن تحول قصر البخاري إلى ولاية جديدة أصبحت تضم 21 ولاية كالأتي: قصر البخاري، عزيز، عين بوسيف، الشهبونية، شلالة العذاورة، أولاد عنتر، أم الجليل، دراڨ، بوغزول، البواعيش، بوغار، أولاد هلال، عين القصير، شنيقل، تافراوت، سيدي دمد، العوينات، أولاد معرف، الكاف لخضر، المفاتحة، سانق، وتتوزع هذه البلديات على ست دوائر، وهي قصر البخاري، عين بوسيف، شلالة العذاورة، أولاد عنتر، عزيز والشهبونية، ويحدها من الشمال ولاية المدية، عين الدفلى من الشمال الغربي، تيسمسيلت من الغرب، المسيلة من الشرق، ومن الجنوب عين وسارة التي باتت ولاية بموجب التقسيم الإداري الأخير بعد فصلها عن ولاية الجلفة.
وبحسب ما استقيناه فإن بعض البلديات التي تضمها ولاية القصر لها أيضا جذورها في التاريخ مثل بلدية سانق التي تضم بنايات تعود للعهد الروماني، أما بوغار فيعرفها الأفراد العسكريون وتشتهر بمبنى حصن الأمير عبد القادر، أما عين بوسيف فهي مدينة تاريخية أيضا وينحدر منها اللاعب السابق للمنتخب الوطني وجمعية الشلف سمير زاوي، وكذا بوقزول التي تم اقتراحها في وقت سابق لتكون عاصمة جديدة للبلاد، وحاليا تشهد إنجاز مدينة جديدة بمواصفات عالمية، بل ستحتضن أيضا مشاريع استثمارية ضمن مسعى تنويع الاقتصاد الوطني وتطويره.
هكذا تأسست المدينة وازدهرت
وظلت ولاية القصر لسنوات تابعة إداريا لولاية المدية، فهي جزء لا يتجزأ من إقليم التيطري الذي عرف تعاقب عدة حضارات عبر التاريخ، حيث تعود جذورها الأولى بحسب المؤرخين إلى العهد الروماني حوالي 205 ميلادي، حيث أسسها القائد الروماني سيبتيموس سيفيروس، وكانت مركزاً استراتيجياً يقع على الطريق الوطني رقم 01، وتطورت من موقع روماني إلى مركز تجاري هام لتبادل الصوف والماشية، ثم أصبحت بلدة مزدهرَة وتُلقب بـ«مدينة الشمس”..
وبحسب المؤرخين فقد تأسست مدينة قصر البخاري في عهد الدولة الرستمية أي أول دولة إسلامية شهدتها الجزائر في الفترة الممتدة بين 776 إلى 909 ميلادي، والتي أسسها عبد الرحمن بن رستم الإباضي الفارسي الأصل، وعاصمتها تيارت، واتسمت بالازدهار الفكري والثقافي، وتعتمد على المذهب الإباضي، وسقطت على يد الفاطميين، وترك تأسيسها وإدارتها بصمة مهمة في تاريخ المنطقة.
وتذكر مراجع أخرى بأن تشييد قصر البخاري يعود إلى فترة حكم الدولة الزيرية التي أسسها زيري بن مناد الصنهاجي الجزائري على سفوح سفح الجبل الاخضر بمنطقة عين بوسيف في سنة 939 ميلادي، حيث أٌطلق عليها اسم “ أشير” التي كانت حصنا منيعا وقفت بوجه الغزاة والأجانب الطامعيـن حتـى صارت تلقب بمخلب الدولة الزيرية.
وبحسب مراجع التاريخ فقد استقر الإباضية في قصر البخاري ويرجع لهم الفضل في تأسيسها، وأُطلق عليها هذا الاسم نسبة إلى رجل يدعى البخاري تيمنا بهذا الشيخ الفاضل الذي كان قد استقر بهذا المكان وبنى لنفسه بناية على شكل قصر يشرف على المدينة.
مقوّمات طبيعية هائلة وموقع جيو- استراتيجي
استنادا لبعض الروايات التاريخية فقد اختيرت المنطقة لتشييد مدينة لارتفاعها من جهة لوفرة المياه بها، من جهة أخرى أمثلة على وجود ينابيع معروفة بالمنطقة، عين القليل، عين الصفاء، عين السباق وثلاث عيون.. كلها كانت تروي عطش الزائرين وسكانها دون انقطاع.
ماعرفت به آشير من إستراتيجية الموقع وحصانتها الطبيعية وكونها نقطة وصل بين الشرق والغرب، من إفريقيا إلى تيارت وعلى الطريق التي تصل تلمسان بالأوراس، ما جعلها عاصمة إستراتيجية لكونها منطقة آهلة بالحركة لكن طبيعتها قاسية ومسالكها وعرة.
بلغت مدينة آشير خلال الحكم الزيري درجة الذروة في الازدهار العلمي والاجتماعي، جذبت العلماء من كل جهة وقصدها الشعراء والرحالة من كامل الأمصار، كما شهدت الحياة الدينية والروحية إشعاعا فائقا. يمكن أن ترى منها جبال شفة (البليدة) للشمال وجبل ديرة (ولاية البويرة) وجبل كاف آفول ومدينة الشلالة شرقا.
بفضل موقعها الاستراتيجي الممتد عبر الأطلس التلي، ويمر بها الطريق الوطني رقم 01 الذي يربط الشمال بالجنوب، شكلت قصر البخاري بوابة الصحراء ونقطة عبور رئيسية، فاشتهرت بأسواقها النابضة بالحياة وكرم أهلها، وكانت تتوفر على سوق كبير للمواشي باعتبارها مجاورة للمناطق الرعوية للسهوب والولايات الداخلية.
وازدهرت التجارة بقصر البخاري منذ القدم باعتباره جسرا بين الشمال والجنوب، حيث كانت قبلة مفضلة لتجار بني ميزاب الذين كان يعج بهم سوق الأقواس لدرجة أن اشتهر بسوق المزابية نسبة لهم، وكانت لهم أملاك ومحلات بالقصر العتيق منذ تأسيسه سنة 1856 ميلادي، وأحدثوا ثورة تجارية في المنطقة مع طائفة البرانية والقصورية الأصليين، وهذا بفضل خبرتهم في مجال الحرف وتجارة الصوف والذهب والأحذية وعملوا في الحمامات المنجزة في القصر العتيق وفي المقاهي وغيرها.
القصر العتيق وتعاقب الحضارات
وعلى غرار المدن التاريخية القديمة، تضم قصر البخاري بنايات عتيقة يعود تشييدها لقرون، أبرزها القصر العتيق التي يعود بداية تشييده إلى عهد الرستميين ثم الزيريين، فالمراجع التاريخية تروي بناء الحمامات في عهد الدولة الزيرية، كما يضم هذا المكان مساجد عتيقة ومعابد لديانات أخرى، وكذا سكنات ذات الطراز العربي الأندلسي والعثماني وأخرى منجزة بالهندسة المعمارية العالمية للقرن التاسع عشر ميلادي.
ويضم هذا القصر الذي ينبغي تصنيفه باعتباره موروثا ثقافيا للمنطقة من أجل ترميمه واستغلاله في السياحة، بنايات انجزها السكان القادمون من بني ميزاب، فهؤلاء القادمون من بني يزقن بولاية غرداية، استقروا في قصر البخاري للتجارة وشيدوا بها منازل وشقوا الأزقة وهندسوا معالم هامة أضفت على القصر العتيق رونقا وجمالا فأصبح همزة وصل بين سكان الشمال والجنوب.
وكان القصر العتيق في البداية عبارة عن قرية صغيرة تضم المساجد التي أقامها الأهالي كمسجد سيد البخاري والزوايا، ويعتبر الحي العتيق أول تجمع سكاني بهذا التجمع الحضري، وتم انجازه بمواد محلية (حجارة، جبس، جدوع النخيل)، بطابع معماري محلي تميزه الأزقة الضيقة.
وتكمن أهمية القصر التاريخي في تراثه اللامادي أهمية كونه احتضن كبار الشيوخ والعلماء أمثال الشيخ محمد الماسوم وسيدي البخاري الذي بنى أول مسجد بالمنطقة، ثم تم إنشاء المسجد العتيق بمدينة قصر البخاري الذي بناه وأشرف عليه سيد أحمد السايح.
وما يميز هذا الصرح الحضاري أيضا تلك المحلات الصغيرة التي كان يشتغل به الأمازيغ في صناعة الحلي والمجوهرات وكذا صناعة الأحذية، وصناعة بعض الأدوات التقليدية التي تستخدم في النسيج فقد اشتهرت المنطقة في وقت مضى في إنتاج الألبسة والأغطية والأفرشة وكذا صناعة الحصائر والقفف والبرادع، بل كان لها باع كبير في صناعة الأدوات الفلاحية البسيطة كالفؤوس والمحاريث.
وبحسب الروايات التاريخية فقد شارك أهالي قصر البخاري في مقاومة الاستعمار الفرنسي في عهد الأمير عبد القادر، ومقاومة المقراني والحداد، وتأثر سكانها بأبو الحركة الوطنية مصالي الحاج الذي تم نفيه إلى مدينتهم، أما المُصلح عبد الحميد ابن باديس فقد أسس بها مدرسة في القصر لتعليم الشباب الدين والفقة واللغة ونجح في تكوين ساهم في إنجاح ثورة التحرير المظفرة.
بوغزول.. قطب وطني عمراني واقتصادي
ولعل ما يميز قصر البخاري أنها تضم إداريا المدينة الجديدة بوغزول التي انطلقت قبل سنوات عملية تهيئتها وستعرف في الفترة القادمة لأول مرة إنجاز الآلاف من السكنات بصيغة البيع بالإيجار في إطار برنامج “ عدل 3” للوكالة الوطنية لتحسين السكن وتطويره، مع العلم أن مدينة بوغزول يمر عبرها خط السكة الحديدية الذي يعبر مدن الهضاب أي الرابط بين المسيلة وتيسمسيلت والذي من شأنه أن يشجع على الاستثمار في المنطقة، مع العلم أن عدد سكانها حاليا لا يتجاوز 500 ألف نسمة بحسب أخر الإحصائيات.
ورغم أنها تضم أراضي سهلية وأخرى وعرة يستغلها أصحابها في الفلاحة مثل زراعة الحبوب، فإن قصر البخاري تضم منطقتين صناعيتين بعاصمة الولاية ومنطقة صناعية ثالثة في بوغزول بتعداد 182 حصة، أي عقار اقتصادي، وكذا ثلاث مناطق للنشاطات في بلديات بوغزول، قصر البخاري والشهبونية بتعداد 152 حصة.
وفي قانون المالية لسن 2025 كانت الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة إنجاز الاستثمارات في السكك الحديدية، قد استفادت من مشروع لدراسة خط السكة الحديدية الذي يربط قصر البخاري مع ولاية البليدة، وفعلا انطلقت هذه الدراسة كما انطلقت إجراءات إحصاء العقارات التابعة للخواص تحسبا لنزع الملكية من أجل انجاز هذا المشروع الهام، والذي سيحسن مناخ الاستثمار بالمنطقة ويجعل منها قطبا اقتصاديا مهما.
ومن شأن قصر البخاري أن تحل مشاكل العقار الاقتصادي لشركات الولاية الأخرى مثل العاصمة والبليدة وتيبازة التي تشهد تشبعا ونظرا لطابعها الفلاحي أو الغابي، علما أن تبعد عن العاصمة جنوبا بـ150 كيلومترا وعن المدية بـ62 كيلومترا، ومساحتها الإجمالية قدرها 4723.81 كيلومتر مربع.
فضلا عن العقار الاقتصادي الموجه للاستثمار، فإن قصر البخاري ستكون أحد الأقطاب العمرانية الأكثر أهمية في الجزائر على المدى المتوسط ثم البعيد، بفضل مدينة بوغزول التي يرتقب أن تحتضن المشاريع السكنية للجزائر العاصمة وحتى البليدة وبومرداس بسبب عدم توفر العقار بهذه الولايات، ويتحقق النزوح من الشمال إلى الجنوب.




