حماية النسيج الاجتماعي تبدأ من المناعة الرقمية الاستباقية
ضرورة الانتقال من «رد الفعل» إلى «الرصد الاستباقي» للفتن
مركز وطني للتحقّق الفوري.. لقتل السموم الإعلامية في مهدهاتدشّن عهدا جديدا لتنويع مصادر التمويل وتعبئة الادخار
أسراب الذكاء الاصطناعي تديــر حـروب الجيــل الخامــس ضــد الجزائـر
أكد الخبير في الرقمنة والاعلام الآلي هشام مطروح، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتسهيل الحياة اليومية، بل تحوّل إلى سلاح ذو حدين، يستخدم في «حروب الجيل الخامس» لإعادة تشكيل الوعي العام وتزييف الحقائق، وهو ما يجعل الفضاء الرقمي الجزائري يواجه بين الحسابات الوهمية والتزييف العميق، تحديات غير مسبوقة تستهدف النسيج الاجتماعي والسيادة الوطنية، مشيرا في حواره المقتضب مع «الشعب» إلى الانتقال من مرحلة «التضليل العفوي» إلى «التضليل الصناعي الممنهج»، ما يحتّم على الجزائر فرض سيادتها التكنولوجية عبر المناعة الرقمية الاستباقية.
«الشعب»: إلى أي مدى أصبح الذكاء الاصطناعي يستعمل في حملات التضليل؟
المهندس هشام مطروح: بالفعل الذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد يكتفي بصناعة الخبر الكاذب، بل يصنع واقعاً بديلاً، ما يؤكد انتقالنا من مرحلة «التزييف اليدوي» إلى مرحلة «التضليل الصناعي الممنهج»، وذلك من خلال إنتاج المحتوى الغزير باستخدام النماذج اللغوية الضخم (LLMs)، حيث يمكّن للمختبرات المعادية إنتاج آلاف المقالات والتدوينات بلهجات محلية جزائرية دقيقة في ثوانٍ، ما يجعل من الصعب على المستخدم العادي التمييز بين رأي المواطن الحقيقي وبين «بروباغندا» الآلة.
التزييف العميق (Deepfakes): لم يعد الأمر مقتصرا على الصور، بل وصلنا إلى تزييف الفيديو والصوت بدقة مذهلة، حيث يمكن استنساخ أصوات مسؤولين أو صناع رأي لبث البلبلة في أوقات الأزمات.
أسراب الذكاء الاصطناعي (AI Swarms): هذا هو التهديد الأحدث في 2026، وهي مجموعات من الحسابات الآلية الذكية التي تتفاعل مع بعضها البعض ومع البشر بشكل يبدو طبيعيا تماما، ما يوحي بوجود «إجماع وهمي» حول قضية معينة لتوجيه الرأي العام.
ما هي أحدث التقنيات التي يمكن للجزائر الاستثمار فيها للرصد والتصدي؟
للجزائر فرصة ذهبية لامتلاك «سيادة تكنولوجية» عبر الاستثمار في ثلاث أدوات رئيسية، وهي الشبكات العصبية الرسومية
(Graph Neural Networks – GNNs) وهذه التقنية لا تحلل «ماذا» يُنشر، بل «كيف» ينتشر، وهي الأقوى حاليا في كشف التنسيق غير الأصيل، أي اكتشاف الروابط الخفية بين آلاف الحسابات التي تبدو ظاهريا لا علاقة لها ببعضها، لكنها تتحرك في «سرب» واحد بتوجيه من مصدر خارجي.
الأداة الثانية، التحليل السلوكي لا السيمانتيكي (Behavioral AI) فالحسابات الآلية الحديثة ذكية في لغتها، لكنها «فاشلة» في محاكاة السلوك البشري العشوائي مثل أوقات التفاعل، وسرعة الرد، وتنوع الاهتمامات، والاستثمار في خوارزميات رصد الشذوذ السلوكي هو الحل الأمثل لمواجهة بوتات الجيل الخامس.
الأداة الثالثة بصمة المحتوى الرقمي (Content Provenance) دعم معايير مثل (C2PA) التي تضع «وسما رقميا» غير مرئي للمحتوى الأصلي الصادر عن المؤسسات الرسمية الجزائرية، ما يجعل أي محتوى مزيف يفتقر لهذه البصمة مكشوفا فورا أمام خوارزميات الرصد.
ماهي التحديات السيبرانية الأكثر خطورة التي تواجه البنية التحتية الرقمية من قبل مخابر السم العلمي الخارجية؟
بداية يجب أن نعلم أنه عندما تستهدف «مخابر السم الإعلامي» الرأي العام، فهي لا تهاجم شبكة الإنترنت، بل تهاجم «المنطق» و»العاطفة» لدى المواطن الجزائري، وبالتالي فالتحديات الأكثر خطورة تتمثل فيما يلي:
الاستهداف المجهري (Micro-targeting): استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الجزائريين على منصات التواصل، وتحديد نقاط الضعف الاجتماعية أو الاقتصادية، ثم إرسال رسائل مضللة «مفصلة خصيصا» لكل فئة على غرار رسائل تثير إحباط الشباب، وأخرى تثير قلق كبار السن، مما يمزق النسيج الاجتماعي.
غرف الصدى والقطبية (Echo Chambers): تقوم هذه المخابر بتغذية خوارزميات المنصات بمحتوى يؤدي إلى عزل الجزائريين في فقاعات فكرية متصادمة، والهدف من ذلك هو تحويل أي نقاش وطني إلى «استقطاب حاد» يمنع الحوار العقلاني ويغذي الفتن الداخلية.
الهجمات الهجينة (Hybrid Attacks): دمج تسريبات حقيقية تمّ الحصول عليها عبر اختراقات سيبرانية مع أخبار كاذبة، ويعد هذا النوع هو الأخطر لأن وجود «جزء بسيط من الحقيقة» يجعل من الصعب جدا إقناع الجمهور بأن الخبر بمجمله مضلل.
ماهي استراتيجيات التحصين التي تقترحونها من أجل تحقيق مناعة رقمية في مواجهة هذا التضليل الممنهج ضد الجزائر؟
لتحصين الرأي العام، نحتاج إلى «مناعة رقمية» تتجاوز مجرد الحجب أو المنع، وتعتمد على ثلاثة محاور، أولها محور الدحض الاستباقي (Pre-bunking) فبدلا من انتظار صدور الشائعة ثم الرد عليها (Refuting)، تتبنى الدولة استراتيجية «التطعيم الفكري» من خلال نشر معلومات توضّح للجمهور الأساليب التي تستخدمها المخابر الخارجية للتلاعب بهم، فعندما يعرف المواطن «كيف» يتم خداعه، يصبح محصنا ضد الخديعة قبل وقوعها.
منصة وطنية للتحقق الفوري (National Fact-checking Hub): تأسيس مركز وطني مستقل تقنيا، يستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد الأخبار الزائفة في الفضاء الجزائري والرد عليها بـ «الحقائق الموثقة» في غضون دقائق، وتلعب السرعة هنا العامل الحاسم لقتل السم في مهده.سيادة المحتوى (Content Sovereignty): أفضل وسيلة لمحاربة المحتوى المضلل الخارجي هي توفير محتوى وطني «بديل» يتميز بالجودة، الشفافية، والجاذبية، الفراغ المعلوماتي هو البيئة الخصبة لمخابر السم؛ لذا يجب ملء هذا الفراغ ببيانات رسمية سريعة وتواصل مؤسساتي رقمي حديث.
تشريعات حماية الفضاء السيبراني: حيث يتعين تطوير أطر قانونية تجبر المنصات العالمية (مثل فيسبوك وتيك توك) على تحمل مسؤوليتها في إزالة المحتوى الموجه الذي يستهدف استقرار الجزائر، مع فرض بروتوكولات تعاون تقني للكشف عن الحسابات الوهمية المدارة من الخارج.







