الوعي الفردي خطّ الدفاع الأول ضد الأخبار المغلوطة والزائفة
أرجع الدكتور نعيم بوعموشة، أستاذ محاضر بقسم علم الاجتماع جامعة تامنغست، تفاعل أفراد المجتمع مع الأخبار السلبية والمضللة أكثر من غيرها من الأخبار، إلى ميل الكثير من الناس لتصديق كل ما ينشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون التحقق من صحته، موضحا أن هذا النوع من الأخبار يعتمد بالدرجة الأولى على استشارة العاطفة وإثارة الخوف والقلق، ما يجعله أكثر قابلية للانتشار من الأخبار الصحيحة.
وأوضح بوعموشة في تصريح لجريدة «الشعب»، أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في انتشار هذه الظاهرة، حيث تحوّلت إلى مصدر معلومة لدى فئات واسعة من أفراد المجتمع الجزائري، وأمام التحوّل الرقمي اليوم لم تعد المعلومة حكرا على المؤسسات الإعلامية، بل أصبحت في متناول الجميع، وفي وقت قياسي باتت تؤلف الكثير من الأخبار وتعدّ مقاطع فيديو توزع وتنتشر بضغطة زر واحدة لتصل إلى الملايين، مما ساهم في تصنيع الرأي العام وخلق تهويل إعلامي واسع نحو العديد من القضايا.
وأضاف أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت الوقود الذي يغدي الأخبار المفبركة والمضللة ويساهم في انتشارها بشكل أسرع وأوسع من الأخبار الحقيقية والموثوقة، أمام غياب المعلومة الرسمية أو تأخرها في بعض الأحيان، وهو ما شكّل بيئة مناسبة لترويج الشائعات وانتشار الأخبار المضللة التي تثير في نفس المتلقي لها الشك والريب ويفقد الثقة في الهيئات والمؤسسات الرسمية.
وفي سياق متصل، قال المتحدث «إن التضليل الرقمي يعد عملية متعدّدة تستهدف التلاعب بالرأي العام من خلال نشر أخبار كاذبة عبر حسابات وصفحات وهمية، تقوم بالترويج لأخبار مضللة ونشر فيديوهات وصور مفبركة تبدو حقيقية لخلق حالة من الفوضى والشك والقلق لدى المتلقين وتصنيع الرأي العام نحو قضايا معينة لضرب مصداقية مؤسسات الدولة وتهديد وحدة الوطن والمساس بالأمن الاجتماعي والمجتمعي».
التربيــة الإعلاميـة خـطّ دفـاع أول ضــد التلاعـب بالعقـول
وفي هذا الإطار، أكد بوعموشة أن المقاربات الأمنية والقانونية، رغم أهميتها، تبقى غير كافية لوحدها لمواجهة التضليل الرقمي، موضحا أن التربية الإعلامية أصبحت أداة أساسية لتحصين المجتمع، وضرورة ملّحة وحتمية في ظلّ ما يشهده الفضاء الرقمي من تحولات متسارعة وما صاحبه من محاولات تنميط الوعي وتشكيل الرأي العام.
وأضاف أن مستخدمي الفضاء الرقمي يواجهون يوميا كما هائلا من المعلومات لدرجة أنهم لا يدرون أحيانا كيف يتصرفون معها وهل يقومون بتصديقها أم تكذيبها، ففي أحيان كثيرة نجد أن هناك أخبارا تنتشر بسرعة كبيرة ويتمّ مشاركتها مع أفراد آخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي نهاية المطاف يكتشفون أنها أخبار كاذبة ومغلوطة ساهموا في الترويج لها عن قصد وعن غير قصد، والأدهى والأمر أنهم في الحقيقة لا يعرفون حتى مصدرها الأصلي ومن يقف ورائها وهل المضمون مناسب للنشر أم لا ومدى تأثيره على المجتمع وعليه كفاعل أو مشارك.وعلى هذا الأساس قال المختص في علم الاجتماع «إننا أمام مشكلة التمييز بين الأخبار الحقيقية والأخبار الزائفة في الفضاء الرقمي، ما يستوجب الحاجة للتربية الإعلامية لبناء الوعي لدى المتلقي أو مستخدم الفضاء الرقمي وعقلانية سلوكه في التعامل مع الأخبار سواء كان منتجا لها أو مشاركا لها أو متفاعلا معها»، مشدّدا على ضرورة أن يعي الفرد جيدا أن عملية نشر المعلومات تخضع لضوابط أخلاقية وعدم الانسياق وراء العواطف والأهواء بحجة أن الفضاء الرقمي مجال مفتوح لنقل الأخبار والأحداث ومشاركتها مع الآخرين دون تحري الحقيقة، وعليه كذلك أن يعي أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست مصادر رسمية للمعلومة، وبالتالي التحلّي باليقظة في انتقاء ما يتمّ نشره وتداوله والتصدي للأخبار الكاذبة والمضللة أمر في غاية الأهمية، وهنا تلعب مهارة التحليل دورا كبيرا في محاولة فهم خلفية الأخبار وسياقها للتعرف على الأخبار المضللة والكاذبة من الحقيقية.
تعزيـز التفكـير النقــدي لـــدى الأفــراد
ولأننا اليوم أمام معركة الوعي في زمن التضليل الرقمي، أوضح بوعموشة أن الوضع يستلزم تعزيز التفكير النقدي والواعي لدى الأفراد للكشف عن الأخبار الكاذبة وعدم الانسياق وراء المغالطات والأخبار المفبركة التي تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي.
وقال «يجب ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومة لدى المواطن فالوعي الفردي هو خطّ الدفاع الأول ضد الأخبار المغلوطة والزائفة، لذلك على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي التحقق من الأخبار والفيديوهات والصور التي يطلعون عليها والتعرّف على هوية الأشخاص الذين قاموا بتحميل هذه المنشورات وإن كانوا معروفين أم لا، وهل يحظون بالموثوقية أو يمثلون هيئة رسمية أم لا»، موضحا أن التفكير في مصدر الخبر وطرح السؤال حول هوية صاحبه أي من الذي ينشر؟ لتحديد ومعرفة الجهة المروجة للخبر يزيد من القدرة على التمييز بين الأخبار الكاذبة والحقيقية ومواجهة التأثيرات السلبية للأخبار المضللة التي يتمّ التعرّض لها. ناهيك عن ضرورة تتبع الحقائق من خلال مقارنة الأخبار المنشورة مع ما هو متداول عبر عدة صفحات إلكترونية وقنوات إعلامية رسمية وما ورد في التقارير الإخبارية عن نفس الموضوع، فليس كل ما ينشر يمثل بالضرورة الحقيقة، فالانطلاق من هذه القناعة يجعل الفرد يبتعد عن التأويلات الجاهزة في تعامله مع الأخبار التي تنشر. وشدّد كذلك على ضرورة تجنب التفاعل مع المنشورات الزائفة والمغلوطة أو مشاركتها مع الآخرين، مع ضرورة التحكم في العواطف والانفعالات والسيطرة عليها عند التعامل مع الخبر أو المعلومة والتفكير في محتواها بعقلانية.






