في سياق إقليمي يتصف بتزايد التهديدات العابرة للحدود، يواصل الجيش الوطني الشعبي أداء مهامه الدستورية في حماية الأمن القومي الجزائري، من خلال مواجهة الجريمة المنظمة ومحاولات إغراق البلاد بالمخدرات القادمة من الخارج، باعتبار هذه الأخيرة أحد أخطر التحديات البنيوية التي تستهدف الدولة والمجتمع في آن واحد خلال العقد الأخير، وتأتي العمليات الأخيرة المنفذة بولاية بشار لتؤكد أن الجزائر تتعامل مع هذا الخطر وفق رؤية أمنية متكاملة تقوم على الردع الاستباقي والتنسيق الميداني الصارم.
كشفت بيانات وزارة الدفاع الوطني، الخميس الماضي، عن مواصلة عملية نوعية بمنطقة غنامة في الناحية العسكرية الثالثة، حيث أسفرت عن حجز 447 كلغ إضافية من الكيف المعالج، بعد عملية سابقة في نفس المنطقة، ما يعكس بوضوح حجم المخطط الإجرامي الذي يستهدف الدولة الجزائرية، وهذه الكمية، التي تضاف إلى محجوزات سابقة، تؤكد أن الأمر يتجاوز اعتبار ذلك محاولات تهريب معزولة، بل بشبكات منظمة ذات إمكانيات لوجستية، تسعى لاستغلال الطبيعة الجغرافية والظروف المناخية لتنفيذ عملياتها.
وفي نفس الإطار، تمكنت مفارز مشتركة للجيش الوطني الشعبي وحرس الحدود والجمارك الجزائرية من القضاء على ثلاثة مهربين مسلحين من جنسية مغربية وتوقيف مهرب رابع، مع حجز كمية أخرى من المخدرات وأسلحة ووسائل اتصال، في عملية تحمل دلالات أمنية عميقة، فوجود عناصر مسلحة، ومحاولات اختراق الحدود بالقوة، يبرز التحول الخطير الذي تعرفه شبكات التهريب، والتي لم تعد تكتفي بالأساليب التقليدية، بل باتت تعتمد العنف المنظم، ما يجعلها أقرب إلى جماعات إجرامية عابرة للحدود ذات طابع شبه عسكري.
كذلك، لا يمكن فهم هذه العمليات بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، خاصة إذا ما تعلق الأمر بمصدر هذه المخدرات، فالمغرب يُصنف، وفق تقارير دولية متطابقة، كأكبر منتج ومصدر للقنب الهندي في العالم، حيث تقدر المساحات المزروعة بعشرات آلاف الهكتارات، وتُقدَّر العائدات السنوية لتجارة المخدرات بمليارات الدولارات. وهذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الظاهرة، بل تطرح علامات استفهام حقيقية حول غياب إرادة سياسية حازمة لمحاربتها داخل «مملكة الحشيش»، بل إن بعض التقارير تشير إلى أن تجارة المخدرات تحولت إلى قطاع غير معلن لتكوين الثروة داخل المغرب، بما يحمله ذلك من مخاطر مباشرة على دول الجوار.
وبالنسبة للجزائر، فإن المخدرات تتعدى كونها مجرد جريمة اقتصادية أو أمنية، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الاجتماعي، من خلال استهداف فئة واسعة من الشباب وضرب البنية القيمية والصحية للمجتمع. فانتشار المخدرات يرتبط بارتفاع معدلات الجريمة، وتفكك الروابط الاجتماعية، واستنزاف الطاقات البشرية، ما يجعل مكافحتها جزءًا لا يتجزأ من معركة الحفاظ على تماسك الدولة.
علاوة على ذلك، ومن المخاطر الكبرى الناجمة عن هذا الوضع أن هذا النشاط الإجرامي بات متداخلًا مع شبكات الإرهاب في منطقة الساحل. إذ تؤكد تقارير دولية متخصصة وجود تقاطع متزايد بين تجار المخدرات وشبكات الجماعات الإرهابية، التي تعتمد على عائدات التهريب في تمويل عملياتها وشراء السلاح. وفي هذا السياق، تصبح المخدرات أداة مزدوجة، تستهدف المجتمعات من الداخل، وتغذي في الوقت ذاته بؤر عدم الاستقرار الإقليمي.
أمام هذا المشهد المعقد، يبرز الجيش الوطني الشعبي كصمام أمان حقيقي للأمن الوطني، من خلال مقاربة شاملة لا تفرق بين محاربة الإرهاب، والتصدي للمخدرات، ومواجهة الجريمة المنظمة وحماية حدودنا والذود عن حرمة وسلامة أراضينا المسقية بدماء الشهداء. فهذه التهديدات، رغم اختلاف أشكالها، تنتمي إلى بنية واحدة عابرة للحدود، لا يمكن التعامل معها إلا بالحزم واليقظة الدائمة والتنسيق المحكم بين مختلف الأسلاك الأمنية. وهي رسالة واضحة مفادها أن أمن الجزائر خط أحمر، وأن أي محاولة للمساس به ستواجه برد صارم وحازم يحمي الدولة والمجتمع بفعالية ومسؤولية.

