تتجه ولاية سكيكدة نحو تسجيل قفزة نوعية في إنتاج الحبوب خلال الموسم الفلاحي 2025–2026، مع توقعات ببلوغ المحصول قرابة مليون قنطار، وهو ما يعكس التحول التدريجي الذي تشهده الشعبة محليا، استنادا إلى النتائج الإيجابية المحققة خلال الموسم المنصرم، الذي بلغ فيه الإنتاج أزيد من 612 ألف قنطار، مدعوماً بتوسيع المساحات المزروعة بنسبة 15 بالمائة، وتحسّن ملحوظ في المسار التقني، شريطة توفر الظروف المناخية الملائمة خلال فصل الربيع.
يرجع مختصون هذا التفاؤل إلى جملة من العوامل التقنية والتنظيمية التي باتت تشكل قاعدة أساسية لرفع المردودية، في مقدمتها احترام آجال البذر المثالية لتفادي ضياع مرحلة التفريع، والاستعمال العقلاني للأسمدة وفق احتياجات النبات في مختلف أطوار النمو، إلى جانب المتابعة الميدانية الدقيقة للمحاصيل تحسباً لظهور الأمراض الفطرية، وعلى رأسها الصدأ الأصفر، الذي يُعد من أخطر التهديدات التي قد تؤثر سلباً على الإنتاج في حال غياب التدخل الوقائي والعلاجي في الوقت المناسب.
كما يُعدّ التحضير المسبق لعمليات الحصاد والدرس أحد العناصر الحاسمة في إنجاح الموسم، من خلال توفير عدد كاف من آلات الحصاد والحد من نسب الضياع أثناء الجني، بما يضمن الحفاظ على جودة المحصول وتحقيق مردودية اقتصادية أفضل للفلاحين، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتزايد الرهان على النجاعة.
وتحظى شعبة الحبوب بولاية سكيكدة بمرافقة علمية وتقنية متواصلة، حيث تعمل المحطات الجهوية لحماية النباتات والمعاهد التقنية للمحاصيل الكبرى على تجريب أصناف جديدة من القمح عالية الإنتاجية والمقاومة للجفاف والملوحة، تماشيا مع التحديات المناخية المتزايدة. كما يتم تنظيم أيام إرشادية وتحسيسية لفائدة الفلاحين لنقل نتائج البحث العلمي إلى الميدان وتعزيز الممارسات الفلاحية السليمة.
وفي هذا السياق، يبرز التوجه نحو دمج شعبة الحبوب بالصناعات التحويلية، على غرار المطاحن ومعامل العجائن، كخيار استراتيجي من شأنه خلق قيمة مضافة للمنتوج الوطني وتعزيز النسيج الصناعي الغذائي. وتشير تقارير وزارة الفلاحة لسنة 2025 إلى أن الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح الصلب، وتُعد ولاية سكيكدة إحدى الدعائم الأساسية لهذا المسار.
وأكد البروفيسور عمار فوفو، مدير مخبر الأبحاث الزراعية بجامعة 20 أوت 1955 بسكيكدة، أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب لم يعد خيارا ظرفيا، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها التحولات الاقتصادية والمناخية، مبرزاً أن رفع مردودية الهكتار الواحد لتتجاوز 50 قنطاراً يمثل حجر الأساس في هذه المعادلة، إلى جانب توسيع المساحات المزروعة وتحديث التقنيات، لاسيما في المناطق الجنوبية التي تشكل رهاناً حقيقياً لمستقبل الزراعة الوطنية.
وأوضح البروفيسور فوفو أن الجزائر تمتلك كل المقومات التي تسمح لها بتقليص التبعية للاستيراد، شريطة الانتقال من نمط الزراعة التقليدية المعتمدة على الأمطار إلى زراعة عصرية قائمة على الري المسقي والتسيير العقلاني للموارد المائية، مشيراً إلى أن القمح الصلب يظل المحصول الاستراتيجي الأول، بالنظر إلى قدرته على التأقلم مع مناخ حوض البحر الأبيض المتوسط وقيمته الاقتصادية والغذائية.
كما شدد المتحدث على أن دعم الفلاحين يمثل ركيزة أساسية لإنجاح أي سياسة فلاحية، من خلال مراجعة أسعار شراء الحبوب بما يضمن هامش ربح محفز، ورفع نسبة دعم الأسمدة، وتسهيل اقتناء العتاد الفلاحي، إلى جانب تطوير البنية التحتية المرافقة، كإنشاء بنوك للبذور، وتحسين قدرات التخزين والتسويق، وربط المستثمرات بالكهرباء، وتهيئة المسالك الفلاحية.




