الانتقــال مـن سـؤال مـن “كيـف نعلّـم؟” إلى ســؤال “أي إنسـان نريد؟”
لا تبدأ الفلسفة من فراغ، فهي تنبثق حينما تكف الأشياء عن كونها “بديهية”، وحينما يتوقف ما كان يعتبره الجميع واضحاً عن أن يكون كذلك.. إنها تبدأ بـ«التهكم السقراطي” الذي يعيد النظر في المسلمات، ولا تختلف فلسفة التربية، فهي أكبر من أن تكون تراكما للمعارف، لأنها تساؤل مستمر، ووضع لكل ما نعتقد أننا نعرفه عن التربية موضع فحص ونقد.
عادة الفلسفة أنها تأخذنا إلى تلك المنطقة الحرجة التي تنهار فيها اليقينيات الراسخة، فهي تستمد شرعيتها من خلخلة ما استقر في الأذهان كحقائق مطلقة، كي تنبثق لحظة التفكير الفلسفي الحقيقي حينما تكف الأشياء المعتادة عن “البداهة”، وحين يتوقف ما كان يعتبره الجميع واضحاً ومنطقياً عن أن يكون كذلك..
ولعلّ هذا التوسيع في مفهوم المساءلة، يجعل من فلسفة التربية نشاطاً حيوياً يتجاوز جدران الأكاديمية ليلامس صلب الوجود الإنساني؛ فإذا كان الإنسان لا يحقق إنسانيته إلا من خلال التربية، فإن التساؤل حولها يصبح تساؤلاً حول ماهية الإنسان ذاته، وتتحول الفلسفة هنا إلى ممارسة تتصف بالشمولية والجذرية؛ لأنها لا تكتفي بالإجابات السطحية حول كيفية تحسين الأداء الدراسي، إنما تغوص إلى الأعمق كي تسأل عن القيمة الأخلاقية والوجودية للمعرفة.. إنها دعوة للتحرر من أسر “المألوف التربوي” والانتقال إلى رحابة الفكر الذي يرى في كل طفل وكل درس، فرصة لإعادة اكتشاف العالم وصياغة الذات من جديد.
وينعكس هذا التوجّه الفلسفي في اختيار المناهج التي تضيء واقع التربية، حيث يشكّل تاريخ الفلسفة بوصلة العودة إلى الجذور الوجودية، بوصفها مادة للمساءلة والحوار مع كبار المفكرين لإضاءة مشكلات الحاضر.
في المقابل، تبرز ضرورة نقد علوم التربية لتجاوز النزعات الاختزالية التي تحصر الكائن الإنساني في أبعاد إحصائية أو بيولوجية، بينما يأتي التحليل المنطقي كمشرط لغوي يفكك زيف الشعارات الضبابية، وعلى هذا، يسمح تكامل هذه الأدوات للمربي بأن يتجاوز دور “التقني” ليصبح “فيلسوفاً” يدرك أن كل فعل داخل الفصل الدراسي، هو اختيار أخلاقي وقرار وجودي يساهم في تشكيل صورة الإنسان المنشود.
التساؤل الفلسفي في التربية
يشكّل التساؤل الفلسفي حول الظاهرة التربوية كينونة فكرية تتجاوز حدود الوصف السطحي، ليرسم أفقاً مغايراً للمقاربات التقنية أو العلمية المحض التي تنشغل بالأدوات والنتائج.
ولا شكّ أن أولى تجليات هذا التميز، تكمن في خاصية “الشمولية”، فالفكر الفلسفي لا يعترف بالحواجز المصطنعة بين حقول المعرفة، لأنه يمتد ويشمل الوجود بأسره؛ من الميتافيزيقا إلى تعقيدات السياسة، ومن جماليات الفن إلى بنية اللغة، وبما أن التربية تمثل “الفعل الإنساني بامتياز”، فإنها لا تقف مثل موضوع هامشي، إنما تقتحم صلب الفحص الشامل، باعتبارها المسار الذي يتحقّق من خلاله جوهر الكائن، وكما أكد إيمانويل كانط، فإن “الإنسان لا يصير إنساناً إلا بالتربية”، ما يجعل التفكير فيها تفكيراً في أصل الهوية الإنسانية ومصيرها.
أما الملمح الثاني الذي يمنح الفلسفة التربوية هويتها، فهو “الجذرية” في الطرح؛ حيث يرفض الفيلسوف الاكتفاء بالأسئلة الإجرائية أو التقنية التي تغرق فيها العلوم التربوية المعاصرة، فبينما ينشغل الأخصائي بالبحث عن الوسائل العلاجية لمشكلات محددة مثل كيفية تحسين كفاءة الذاكرة، يذهب التساؤل الفلسفي إلى ما وراء تلك الممارسات ليبحث في “المعنى” و«القيمة”، فهو لا يسأل عن كيفية القراءة، بل يتوغل إلى قيمة فعل القراءة ذاته، ويسائل ماهية المضامين التي تستحق حقاً أن تورث للأجيال القادمة، ولماذا نختارها دون غيرها؟ إن الفلسفة هنا لا تهتم بـ«الكفاءة الإنتاجية”، لأنها منشغلة بالتنقيب عن “الغايات” القصوى التي تبرر وجود المؤسسة التربوية من الأساس.
وفي مستوى أعمق، تبرز خاصية “الحيوية” لتنفي عن الفلسفة تهمة الترف النظري أو الانفصال عن الواقع المعيش، فالتساؤل الفلسفي في التربية هو اشتباك مباشر مع قضايا الوجود المصيرية؛ وحينما نتساءل عن ماهية التربية، فنحن في الواقع نسأل عن ذواتنا في كليتها، وعن لحظات قلقنا وفرحنا، وعن معنى حياتنا ومواجهتنا للموت، ما يعني أننا نكون في رحلة للبحث عن “سلوك الوجود” عبر بوابة المعرفة، حيث تصبح العملية التعليمية جسراً يربط بين الوعي الفردي والضمير الجمعي، وليست مجرد عملية شحن للمعلومات في رؤية آلية جافة.
ويتصل بهذا المسار انتقال التساؤل من حيز “الكم” إلى حيز “الكيف”، حيث ترفض الفلسفة اعتبار التربية “صناعة” تهدف لتخليل الفرد في قوالب اجتماعية جاهزة، فـ«جذرية” التساؤل تدفعنا لمساءلة السلطة المعرفية ذاتها: من يملك الحق في تحديد ما هو صحيح؟ وكيف نضمن أن لا تتحول التربية إلى أداة للتدجين بدلاً من التحرير؟ هذا النوع من الأسئلة الحيوية هو ما يمنح التربية طابعاً درامياً، حيث تتحوّل العلاقة بين المعلم والتلميذ من علاقة مرسل ومستقبل إلى لقاء وجودي يسعى فيه الطرفان لاكتشاف الحرية والمسؤولية، ما يجعل الفلسفة صمام أمان يحمي الإنسانية من الانزلاق نحو المكننة الشاملة.
إن تضافر هذه الخصائص الثلاث – الشمولية، الجذرية والحيوية – هو ما يمنح فلسفة التربية طابعاً استثنائياً يربط بين النظرية والممارسة برباط وثيق، فهي تفرض على المربي أن لا يكون موظفا ينفذ برامج تعليمية، عوض كونه مفكراً يدرك الأبعاد الميتافيزيقية والأخلاقية لكل كلمة يلقيها، ولكل قيمة يغرسها، فمن خلال هذه الرؤية الجمالية والعميقة، تصبح التربية فعلاً فلسفياً مستمراً، يعيد صياغة العالم في كل مرة يدخل فيها تلميذ جديد إلى فضاء المعرفة، مؤكداً أن البحث عن الحقيقة هو في جوهره بحث عن كمال الإنسان وسعادته.
من يمارس فلسفة التربية؟
تتجاوز فلسفة التربية حدود الأروقة الأكاديمية والمقاعد الجامعية، فهي ليست معرفة تقنية معقدة محصورة في فئة من “النخبة” أو المتخصصين، بحكم أنها ممارسة فكرية أفقية تضرب بجذورها في صلب التجربة اليومية، فهي تبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها المربي، سواء كان أبًا أو معلمًا، عن أداء مهامه كآلة صماء، ليدخل في حالة من التأمل العميق حول جدوى عمله والقيمة الحقيقية لما يقدمه.. هذا الوعي بالذات، وهذه الرغبة في فهم أبعاد الفعل التربوي، هي الشرارة الأولى التي تحول الممارسة العادية إلى فعل فلسفي أصيل، يجعل من التربية مشروعاً إنسانياً واعياً وليس مجرد روتين وظيفي.
وحين يطرح المربي على نفسه السؤال الجوهري: “لأي هدف أفعل ما أفعله؟”، فإنه يمارس الفلسفة في أنقى صورها، حيث ينتقل من الانشغال بـ«الوسائل” إلى الانشغال بـ«الغايات”.. وهذا التساؤل هو الذي يعيد للمربي سيادته على قراراته، ويجعله يدرك أن كل حركة يقوم بها داخل الفصل أو المنزل، تحمل في طياتها رؤية للعالم وتصوراً معيناً لمستقبل الإنسان، فالفلسفة هنا ضرورة مهنية وأخلاقية تحمي المربي من السقوط في فخ العبثية، وتمنحه البوصلة التي توجه جهوده نحو بناء كائن حر ومسؤول، بدلاً من مجرد شحن العقول بمعلومات قد تفقد قيمتها مع الزمن.
أما دور “المتخصّص” في هذا السياق، فلا ينبغي فهمه كوصاية على التفكير، لأنه دور تيسيري يكمن في تقديم “المنهج” والأدوات التحليلية التي تصقل هذا التأمل العفوي، فالفيلسوف المتخصص يمنح المربي الممارس الأطر النظرية والمقاربات التاريخية والمنطقية التي تساعده على تنظيم أفكاره وتعميق تساؤلاته، محولاً الحدس الشخصي إلى رؤية نقدية متماسكة. ذلك أن المتخصّص لا يملي الأجوبة، إنما يضطلع بواجب تعليمنا كيفية طرح السؤال بطريقة صحيحة، وكيفية تفكيك المفاهيم الغامضة، من أجل الوصول إلى جوهر العملية التربوية، ما يخلق تكاملاً حيوياً بين خبرة الميدان المباشرة وصرامة المنهج الفلسفي.
منهجيات أساسية..
بما أن اختيار المنهج هو في حد ذاته خيار فلسفي، يمكن حصر أهم المناهج التي تضيء الفكر التربوي في ثلاثة محاور، أولها تاريخ الفلسفة، بصفته القاعدة الصلبة لعملية التفكير، فإذا كانت العلوم تعتمد على الإحصاء والتجربة، فإن الفيلسوف يعتمد على تاريخ الفكر.
إن العودة إلى أفلاطون، أرسطو، روسو، وكانط، ليست استذكارا للماضي ولا حنينا إلى الزمن الجميل، لأنها ـ في عمقها – محاولة لفهم مشكلاتنا الحالية التي طُرحت سابقاً، فتاريخ الفلسفة للتربوي هو الأساس الذي يتأسس عليه الفكر، مع فارق جوهري: الفيلسوف لا يتلقى النصوص كحقائق مطلقة، إنما يتناولها كدروس للنقد والمناقشة لإسقاطها على قضايا العصر.
ولا يخفى أن علوم للتربية” تتضمن اليوم (سوسيولوجيا، سيكولوجيا، اقتصاد التربية..)، ودور الفيلسوف هنا هو نقد هذه العلوم وتحديد حدودها، غير أن التعدّد المفرط في العلوم، قد يؤدي إلى “النزعة الدوغمائية” (مثل حصر الفشل المدرسي في الجانب الاجتماعي وحده.
وقد تتجلى إشكالية المنهج في فلسفة التربية في كونها صراعاً بين “الأصل” و«الأداة” و«الغاية”. فبينما يمنحنا تاريخ الفلسفة الثقل الوجودي والعمق الذي يمنع الفعل التربوي من أن يسقط في الارتجال، نجد أن الاعتماد الكلي عليه قد يحوّل الفلسفة إلى “متحف أفكار” منفصل عن تعقيدات العصر الرقمي أو السيكولوجي الحالي، وهنا تبرز الحاجة إلى المنهج الثاني، وهو التأمل في العلوم؛ حيث تتداخل الموضوعية العلمية مع الذاتية الفلسفية، غير أن النقد الموجه لهذا المسار يكمن في “النزعة الاختزالية”، فالعلم يميل إلى تفتيت الإنسان إلى قطاعات (سلوكية، عصبية، اجتماعية)، بينما تصر الفلسفة على وحدة الكائن التربوي، ولا شكّ أن هذا الفشل العلمي في الإحاطة بـ«النضج” كقيمة كلية، يثبت أن العلم يصف “ما هو كائن” لكنه يعجز عن تحديد “ما ينبغي أن يكون”.
أما التحليل المنطقي، فهو يمثل الجراحة اللغوية الضرورية لتنقية التفكير التربوي من الأوهام، وتظهر فاعلية هذا المنهج في كشف زيف الشعارات؛ فنحن نستخدم بعض المفاهيم كمسلمات، بينما هي في الواقع فخاخ لغوية تحتمل معاني متناقضة قد تؤدي إلى نتائج تربوية عكسية، ومع ذلك، يظل التحليل المنطقي قاصراً إذا لم يستند إلى رؤية تركيبية، فهو يفككّ الجمل لكنه لا يبني “معنى للحياة”.
بالتالي، فإن النقد الحقيقي لهذه المناهج يوصلنا إلى نتيجة حتمية: لا يمكن لفلسفة التربية أن تكون فاعلة إلا إذا مارست “التفكير بلا شبكة”، مستخدمةً التاريخ كبوصلة، والتحليل اللغوي كمشرط، والنقد العلمي كحدود.. هكذا تكون عملية “تبيئة” للأفكار الكبرى في واقع تربوي ملموس، حيث يتحول السؤال من “كيف نعلم؟” إلى السؤال الوجودي الأعمق: “أي إنسان نريد أن نبني؟”.







