مواجهة حروب الوعي جزء لا يتجزّأ من حماية السّيادة
التّثبت من الأخبار مبدأ قرآني وضرورة وطنية لتفنيد “الإشاعات المأجورة“
الوعي الجماعي يجعل المواطن شريكا في حماية الحقيقة لا ضحيّة للتّضليل
رفع خبراء ومختصّون درجة التّحذير من الحروب الحديثة التي باتت تدار في العالم اليوم عبر الفضاء الرقمي باستعمال المعلومات المفبركة والتصريحات الكاذبة، وهو ما حذّرت منه الجزائر مبكّرا، حيث أكّدت أنّ منصّات التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى ساحات مفتوحة لحروب الوعي، تستعمل فيها المعلومة المضلّلة كسلاح، وتفبرك الأخبار بهدف توجيه الرأي العام، وزعزعة الثقة، وبث الشكوك داخل المجتمعات، لذلك دعت إلى ضرورة الوعي الجماعي بحماية السّيادة المعلوماتية، أمام ازدياد الهجمات الإعلامية، لأنّ المعارك لم تعد تدار على الحدود بل أصبحت داخل العقول والشاشات.
تتعرّض الجزائر، على غرار دول عديدة، لحملات تضليل رقمية ممنهجة، تقف وراءها أطراف خارجية، أو شبكات منظّمة وأشخاص مأجورون، يستهدفون الأمن المعنوي للبلاد، عبر افتعال قضايا، وتضخيم أخرى، أو تعمّد نشر معلومات خاطئة ثم الانسحاب بهدوء بعد تحقيق الانتشار المطلوب، مستغلين حقيقة خطيرة مفادها أنّ الخبر الكاذب ينتشر أسرع وأوسع من أي توضيح أو اعتذار لاحق.
وأصبحت حملات التضليل الحديثة حسب المختصّين، تعتمد على آليات دقيقة، تبدأ بنشر معلومة مغلوطة أو تصريح مفبرك منسوب لشخصية رسمية، ثم يتم تضخيمه عبر إعادة النشر والتفاعل العاطفي، قبل أن تختفي الجهة المروجة دون تصحيح أو تحمل مسؤولية، تاركة الأثر النفسي قائما في الوعي الجمعي.
ويزداد خطر هذه الممارسات في ظل تطوّر أدوات الذكاء الاصطناعي، التي سهلت فبركة الصور والمقاطع الصوتية، وجعلت التّمييز بين الحقيقي والمزيف أكثر تعقيدا، خاصة لدى فئات تفتقر إلى أدوات التربية الإعلامية والوعي الرقمي.
من أبرز أساليب التّضليل التي تكرّرت مؤخرا، فبركة تصريحات منسوبة لوزراء ومسؤولين حول قضايا وطنية أو إقليمية، ونشرت هذه التصريحات في شكل اقتباسات مرفقة بصور رسمية أو الهوية البصرية لمؤسسات إعلامية، تمّ تداولها بسرعة عبر صفحات تنشط من خارج الجزائر، قبل أن تختفي بعد تحقيق الانتشار المطلوب.
كما شهد الفضاء الرّقمي ترويج أخبار مغلوطة عن أزمات تموين، أو انهيار وشيك للاقتصاد الوطني، عبر نشر صور وفيديوهات قديمة أو مأخوذة من دول أخرى، ونسبها زورا للأسواق الوطنية.
حملات غير بريئة
وفي هذا السّياق، حذّر النّائب عز الدين زحوف من تنامي ظاهرة فبركة التصريحات ونشر الأخبار الكاذبة عبر بعض صفحات التواصل الاجتماعي، في حملة وصفها بـ «غير البريئة»، تستهدف تشويه صورة وزراء ومسؤولين، وخلق حالة نفسية سلبية داخل المجتمع أو الاستثمار فيها لأغراض تضليلية.وأكّد النّائب لـ “الشعب”، أ أنّ خطورة هذه الحملات لا تكمن فقط في الجهات التي تقف وراءها، بل في قابلية فئات واسعة من المتلقين للتصديق والانخداع والتفاعل السلبي مع الأخبار دون تثبت أو تبصّر، ما يسهم في توسيع دائرة التضليل ونشر البلبلة، موضّحا أنّ التثبت من الأخبار مبدأ قرآني وأساس أخلاقي لا غنى عنه في زمن الفضاءات الرقمية المفتوحة.
وفي هذا السياق، دعا النائب إلى ترسيخ مبادئ التربية الإعلامية وأخلقة العمل السياسي، من خلال جملة من القواعد السلوكية التي ينبغي مثلما قال «أن تحكم تعامل المواطن مع المحتوى المتداول على منصّات التواصل الاجتماعي».
وأوضح أنّ الأصل في الأخبار المتداولة عبر هذه المنصات هو الشك لا التصديق، إلى أن يثبت العكس، خاصة في ظل الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي سهّلت التزييف وصناعة المحتوى المضلل والتلاعب بالعقول.
كما شدّد على ضرورة عدم التسرع في التعليق أو النشر أو المشاركة، مذكّرا بأنّ الكلمة مسؤولية يسأل عنها صاحبها، وأنّ الانجراف وراء ما وصفه بـ «شهوة إبداء الرأي في كل شيء» قد يحول المواطن، دون وعي، إلى أداة لنشر الكذب والتضليل.
ودعا زحوف، في حال قراءة أي تصريح منسوب لمسؤول أو جهة رسمية، إلى الرجوع مباشرة إلى المصادر المعتمدة، مثل الصفحات الرسمية للوزارات والمؤسسات، أو وسائل الإعلام الوطنية ذات المصداقية، أو الحسابات الشخصية الموثقة، مؤكّدًا أنّ التثبت متاح وسهل «لمن يبحث عن الحقيقة لا الإثارة».
وأبرز النائب زحوف أنّ العقل نعمة إلهية يجب حسن استعمالها، محذّرا من ترك المجال للغير «للتلاعب بمشاعرنا وتوجيه مواقفنا عبر أخبار كاذبة أو تصريحات مختلقة»، داعيا إلى وعي جماعي يجعل من المواطن شريكا في حماية الحقيقة لا ضحية للتضليل.
جهود الدولة في مواجهة التّضليل الرّقمي
ولم تقف الجزائر مكتوفة الأيدي أمام هذه الحملات التّضليلية، بل بذلت الكثير من الجهود وما زالت لمواجهة هذه الحرب الإعلامية غير المعلنة، فقد عزّزت بداية الإطار القانوني المتعلق بمكافحة الأخبار الكاذبة، وطوّرت أدوات الاتصال المؤسساتي، إلى جانب تنامي الوعي بأهمية الأمن السيبراني والسيادة الرقمية.
وشدّد وزير الإتصال زهير بوعمامة، في لقائه الأخير مع مسؤولي المواقع الإعلامية الإلكترونية المعتمدة، على أنّ المسؤولية التي تقع على عاتق وسائل الإعلام الإلكترونية اليوم لا تقتصر على نقل الخبر، بل تمتد إلى توفير المعلومة الموثوقة في الوقت المناسب، والعمل على التصدي لخطابات التضليل والأخبار الكاذبة، ومواجهتها بالمعطيات الموضوعية، حماية للوعي الجماعي، وترسيخا لمناعة المجتمع ضد مخطّطات مخابر التضليل التي تدار من خارج الحدود.
وأكّد الوزير بوعمامة أنّ الجزائر تخوض هذه المعركة من موقع قوة، متسلحة بوعي شعبها، وبإعلام وطني مدعوم قانونيا ومهنيا، في ظل القوانين الجديدة التي نظّمت الصحافة الإلكترونية، ووفّرت لها الإطار القانوني والدعم اللازم لضمان استدامتها ومهنيتها.






