التأسيـس لمقومات النهضــة الصناعيـة في مرحلـة فارقـــة
يقدّم البروفسور مراد كواشي، الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي، قراءة استشرافية في أبعاد مشروع القرن، بشقّيه الاجتماعي والاقتصادي، ووقف على آفاقه التنموية الواعدة. وقال إن محرك النمو الاقتصادي يسير بسرعة قياسية، أفضت إلى التأسيس لجميع مقومات النهضة الصناعية، في مرحلة تاريخية فارقة، أصبح فيها التحوّل حقيقة، والازدهار متجليا في إنجازات عملاقة، ومترجما على أرض الواقع بتخطيط ذكي.
قال الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي، البروفسور مراد كواشي إنه من الناحية الإستراتيجية، وبعيدا عن الأرقام المجرّدة، يمكن قراءة مشروع منجم غارا جبيلات على أنه أكبر انتصار استراتيجي تحقّق في عهد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون. وأضاف أن هذا المشروع، الذي عجزت الحكومات المتتالية منذ استقلال الجزائر عن تنفيذه على أرض الواقع، وجد في عهد الرئيس تبون من يمنحه الأهمية والعناية الخاصة، حتى تجسّدت رؤيته وخرج المشروع إلى النور.
وتابع قائلا: “الكثير من المشكّكين في تنفيذ هذا المشروع الضخم، وكذا خطّ السكة الحديدية الممتد على مسافة 950 كلم بقيمة تجاوزت 700 مليار دج، كانوا يتوقّعون صعوبة الإنجاز، لكن يوما بعد يوم، بدأ المشروع يتحقق على أرض الواقع. واليوم، يُعد غارا جبيلات أكبر مشروع استراتيجي تمّ إنجازه في عهدتي الرئيس تبون”.
الجدّيـة والكفــاءة فــي التنفيــذ
وأكد البروفيسور مراد كواشي، في حديثه عن الإنجازات الثمينة المحقّقة في مجال البنى التحتية، أن مشروع خطّ السكة الحديدية المنجمي الغربي يندرج ضمن إستراتيجية وطنية شاملة أطلقتها الجزائر منذ سنة 2019. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى تطوير البنى التحتية وتعزيز شبكة السكّك الحديدية، من خلال ربط الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب. وأوضح أن هذا التوجّه يرمي إلى توسيع شبكة السكّك الحديدية الوطنية لتبلغ نحو 15 ألف كيلومتر في آفاق عام 2030، بما يعزّز التكامل الاقتصادي ويخدم التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، اعتبر أن مشروع السكة الحديدية بشار- تندوف- غارا جبيلات يعد نموذجا ناجحا، حيث أُنجز في آجاله المحدّدة، بوتيرة تنفيذ وصفت بالسريعة وأثارت الإعجاب.
وأشار إلى أن شركات الإنجاز تمكّنت من إنجاز ما يقارب ثلاثة كيلومترات من السكّك الحديدية يوميا، وهو ما يعكس الجدية والكفاءة في التنفيذ. وأضاف أن هذا المشروع لا يقتصر على البعد اللوجستي، بل يسمح باستغلال احتياطي ضخم يقدّر بنحو ثلاثة مليارات طن من خام الحديد، ما يجعل غارا جبيلات ثالث أكبر احتياطي عالمي. وأكد كواشي أن هذا الخط سيساهم في فكّ العزلة عن منطقة الجنوب الغربي، ، بما يتيح لها نيل حصة معتبرة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن ربطها بالشمال ومناطق أخرى من الوطن.
وتحدّث الخبير عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية لمشروع القرن العملاق على المديين القريب والمتوسط. وأشار في خضم حديثه، إلى أنه سيتمّ خلال شهر أفريل القادم تدشين مشروع آخر بولاية تندوف، يتمثل في دخول أول وحدة للمعالجة الأولية لخام الحديد المستخرج من منجم غارا جبيلات. وتقدّر الطاقة الإنتاجية لهذه الوحدة بنحو أربعة ملايين طن سنويا.
نسيـج صناعــي متكامـل
وأوضح كواشي، أن هذا المشروع، إضافة إلى الإيرادات الضخمة التي سيحقّقها من تصدير الحديد، والمقدرة بمليارات الدولارات، سيسهم بشكل مباشر في تقليص فاتورة الاستيراد. وذكر، في هذا السياق، بأن الجزائر كانت قبل سنة 2019 تستورد مادة الحديد. وأضاف أن المشروع سيفضي أيضا إلى توطين صناعات متعدّدة، لا سيما الصناعات الميكانيكية، انسجاما مع توجيهات رئيس الجمهورية، الذي شدّد مرارا على ضرورة تحويل المواد الأولية، مثل الحديد والفوسفات، محليا، وعدم تصديرها في شكلها الخام. فالقيمة المضافة الحقيقية لهذه الموارد، كما أكد، تتحقق بعد تحويلها، لا عند تصديرها كمواد أولية. وأوضح أن توفر هذا المعدن الاستراتيجي، إلى جانب توفر الطاقة بأسعار معقولة، واليدّ العاملة المؤهلة، واتساع السوق، فضلا عن الاستقرار الأمني والسياسي، من شأنه أن يؤسس لقيام صناعات متعدّدة، من بينها الصناعات الميكانيكية، والتحويلية، والكهربائية. واغتنم الفرصة ليؤكد أيضا على أن هذا المشروع العملاق سيوفر آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وكما أنه سيحرك النشاط الاقتصادي في منطقة الجنوب الكبير، ويساهم في خلق نسيج صناعي متكامل، يضمّ مؤسسات مناولة، ومؤسسات صغيرة ومتوسطة، وأخرى ناشئة، ترتبط بعقود مباشرة مع هذا المشروع الاستراتيجي الضخم.
ركيزة اقتصاديــة قاعديـة
وأوضح الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي مراد كواشي، أن هذا المشروع يعزّز موقع الجزائر إقليميا ودوليا، خاصة في ظلّ المستجدات التي يشهدها الاقتصاد العالمي من طلب كبير على المواد الأولية والمنافسة الاقتصادية الشرسة. وأكد أن الجزائر نجحت في التأسيس لكل مقومات النهضة الصناعية، حيث تتوفّر الطاقة، والسوق الواسعة، والمواد الأولية، إلى جانب اليد العاملة.
وقال أستاذ العلوم الاقتصادية، إن الجزائر مقبلة على التحوّل إلى بلد جذب واستقطاب للاستثمارات، بعد دخول قانون الاستثمار الجديد حيز التنفيذ، بما يحمله من مزايا وتحفيزات معتبرة للمستثمرين الأجانب. وذكر البروفسور كواشي أن هذا المسار سيمكّن أكبر بلد إفريقي من التموقع كمركز دولي لتصدير المواد الأولية والمنتجات نصف المصنعة.
ويعدّ هذا المشروع، حسب الخبير الاقتصادي مراد كواشي، ركيزة اقتصادية قاعدية ومتينة، من شأنها المساهمة في تنويع الاقتصاد الوطني، وضخّ المزيد من الثروة خارج قطاع الطاقة التقليدية. وأكد أن السلطات الجزائرية لم تدخر جهدا في مسار فكّ الارتباط التدريجي للاقتصاد عن قطاع المحروقات، خاصة في ظلّ عدم استقرار أسعاره في الأسواق العالمية. ولم يخف كواشي أن الجزائر تعمل على استغلال جميع الأوراق المتاحة، وفي مقدمتها الثروة المنجمية، واغتنم الفرصة ليدعو إلى تمتين صناعة محلية متكاملة ومتطورة، تقوم على تحويل هذه المواد داخل الوطن. واعتبر أن هذا التوجّّه يندرج ضمن حماية رصيد الأجيال القادمة، وتثمين الموارد الطبيعية بدل استنزافها عبر تصديرها كمواد خام.
وأضاف الخبير والأستاذ الجامعي أن تثمين هذه الثروات يقتضي إقامة صناعة فعلية في الجزائر، سواء بالشراكة مع المتعاملين الأجانب، أو بالاعتماد على المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين. في وقت أصبح النهوض بالقطاع الصناعي يمثل خطوة حاسمة للقفز بالجزائر إلى مصاف البلدان الناشئة.
المشـروع ذو أبعــاد اجتماعيــة
وفي ظلّ التطوّر الذي يشهده مشروع غارا جبيلات، والانطلاق الفعلي في استغلاله بعد أن ظل لسنوات مجرد حلم، اعتبر البروفسور مراد كواشي أن إعطاء إشارة استغلال هذا المنجم العملاق يدخل الجزائر منعطفا اقتصاديا هيكليا تاريخيا. وأوضح أن الاقتصاد الوطني، الذي ظلّ لفترة طويلة مرتكزا أساسا على النفط، بات اليوم أمام فرصة حقيقية للتنوع والازدهار، بفضل مشروع غارا جبيلات ذي الطابع الاستراتيجي.
وأكد كواشي، أن غارا جبيلات يعدّ من أهم المشاريع الإستراتيجية التي أطلقتها الجزائر منذ الاستقلال، وهو ما يفرض ـ حسبه ـ إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وجعل قطاعات أخرى، مثل المناجم والتعدين، في مقدمة قاطرة التنمية الوطنية.
وأضاف أن هذا التوجّه يتعزّز مع الشروع في استغلال مشروع استراتيجي آخر، يتمثل في مشروع الفوسفات المدمج بشرق البلاد، والذي من شأنه تحقيق إيرادات معتبرة من العملة الصعبة لفائدة الاقتصاد الوطني. كما سيسمح بإقامة نسيج صناعي متكامل حول المشروع. وخلص الخبير إلى القول، إن هذه المشاريع، إلى جانب بعدها الاقتصادي، تحمل أبعادا اجتماعية هامة، من خلال توفير آلاف مناصب الشغل، وفك الخناق التنموي عن منطقة الجنوب الغربي بأكملها.






